آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 3:54 م

أراجيز الطف 25

محمد أحمد التاروتي *

تجاهل الشهيد موسى بن عقيل بن أبي طالب في أرجوزته التعريف بالنفس بمجرد النزول في ساحة الميدان، حيث ركز على الشجاعة والقدرة على القتال والموت في سبيل الدفاع عن النساء والفتيان، بالإضافة إلى التضحية بالروح في سبيل عن الإمام الواجب الطاعة من أجل الحصول على الرضا من الخالق والامتثال لأوامر الرسول الأكرم ﷺ، وبالتالي فإن أرجوزة موسى بن عقيل تحمل في طياتها الرؤى العقائدية وكذلك القيم الأخلاقية التي تحدث على الدفاع عن المظلوم وعدم السكوت على الظلم مهما كانت الأخطار والصعاب.

في الشطر الأول من الأرجوزة يركز الشهيد موسى بن عقيل على الجيش الأموي عبر استخدام وصف تلك الجموع الكبيرة المحتشدة لقتال سبط المصطفى بالقول ”الكهول والشبان“، فهذه المفردات تكشف طبيعة جيش عمر بن سعد العازم على ارتكاب الجريمة الكبرى بحق ابن بنت الرسول ﷺ وأهل بيته وأصحابه في يوم عاشوراء، حيث يتشكل من خليط كبير من مختلف الأصناف، إذ يجمع الكهول والشباب، فقد احتشدت هذه الألوف طمعا في الحصول على مطامع دنيوية دون النظر في العواقب المترتبة على قتل سبط المصطفى وأهل بيته وصحبه الكرام، فالجيش الأموي يقاتل في سبيل المال فيما يقف بكل شموخ سيد الشهداء في الدفاع عن الإسلام ومواجهة النفاق بمختلف أشكاله والمتمثل في الجيش الجرار العازم على إراقة الدماء الطاهرة، حيث يقول ”يا معشر الكهول والشبان“.

فيما يركز الشطر الثاني من البيت الأول على الشجاعة وعدم التردد والخوف في المواجهة والنزول في ساحة القتال والاستعداد للتضحية بالنفس في سبيل المبادئ والقيم التي يجسدها سيد الشهداء ، فالكلمات القليلة التي يتألف منها العجز في البيت الأول قادرة على رسم صورة الحماس والمبادرة على الموت، من خلال استخدام مفردات ”السيف“ و”السنان“، حيث تمثل هذه المفردات القدرة على استخدام مختلف صنوف الأسلحة، مما يعني أن الموت ينتظر العدو سواء عبر القتال بالسيف أو رمي الرماح، فالموت المصير المحتوم لكل من تسول له نفسه التقدم القتال، حيث يقول ”أضربكم بالسيف والسنان“.

فيما ينتقل الشهيد موسى بن عقيل في الشطر الأول من البيت الثاني الأرجوزة إلى جانب غاية في الأهمية، حيث يوضح إحدى غايات النزول في ميدان القتال، فالقتال ليست لأسباب شخصية أو رغبة في الانتقام من شخصيات بحد ذاتها بقدر ما يكمن السبب في ترجمة بعض القيم الإسلامية والأخلاقية والمتمثلة في الدفاع عن الضعفاء والنساء من للتعرض للإهانة واستلاب الكرامة، إذ يقول ”أحمي عن الفتية والنشوان“.

بينما يظهر العجز في البيت الثاني من الأرجوزة، العقيدة الصحيحة للمقاتل، حيث تتناول الكلمات الهدف السامي من وراء من النزال في مواجهة الجيش الأموي، فالكلمات تكشف بشكل واضح الإيمان الكامل بالدفاع عن حجة الله على الأرض والمتمثلة في سيد الشهداء ، فالطاعة الكاملة دون تردد واجب ديني على كل مسلم تجاه الإمام الحسين ، وبالتالي فإن التضحية بالنفس في الدفاع عن سبط المصطفى أقل ما يمكن يقدمه المسلم، خصوصا في مثل المواقف التي يحتاجها سيد الشهداء للنصرة وعدم وجود الناصر في أرض كربلاء، حيث يقول ”وعن إمام الأنس ثم الجان“.

ويتحدث الشهيد موسى بن عقيل الشطر الأول من البيت الثالث من أرجوزته عن الغاية الحقيقية من قتال الجيش الأموي، فهذه الغاية ليست نابعة من عصبية أو أحقاد شخصية أو مطامع دنيوية، بقدر ما تتمحور في التحرك لنيل رضوان الله تعالى، حيث يتقابل الحق والباطل وطالبي الآخرة وطلاب الدنيا، إذ يمثل سيد الشهداء الحق بكل ما تحمل الكلمة من معان ودلالات والباطل والمتمثل في جيش عبيد الله بن زياد، وبالتالي فإن الجهاد تحت لواء الإمام الحسين مصيره معروف وهو رضوان الله والخلود في الدنيا والآخرة، فيما الخزي والعار مصير كل مقاتل في الجيش الأموي، حيث يقول في البيت الثالث ”أرضي بذاك خالق الإنسان“.

يتطرق الشهيد موسى بن عقيل في عجز البيت الثالث من الأرجوزة إلى نيل رضا وشفاعة رسول الله ﷺ من وراء التضحية بالذات في يوم عاشوراء، فالوقوف إلى جانب الإمام الحسين تأتي استجابة لأمر الرسول الأكرم ﷺ بوجوب الطاعة إلى أهل البيت وعدم الخروج عليهم أو إشهار السلاح في وجههم، كونهم يمثلون الامتداد الطبيعي للرسالة المحمدية، وبالتالي فإن الجيش الأموي برفع السيف في وجه سبط المصطفى يخالفون النبي الأكرم ﷺ بعدم محاربة أهل البيت ، وبالتالي فإن الاستشهاد في سبيل الدفاع عن سيد الشهداء يدخل السرور في نفس المصطفى ﷺ والحصول على شفاعته يوم القيامة، حيث يقول ”ثم رسول الملك الديان“.

وتنقل الكتب التاريخية أن الشهيد موسى بن عقيل بن أبي طالب ارتجز خلال نزوله ساحة المعركة في يوم عاشوراء:

يا معشر الكهول والشبان
أضربكم بالسيف والسنان
أحمي عن الفتية والنسوان
وعن إمام الإنس ثم الجان
أرضي بذاك خالق الإنسان
ثم رسول الملك الديان

كاتب صحفي