آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 10:26 م

أنسنة طوابير السفر

أثير السادة * صحيفة الوطن

شاءت الأقدار أن أجد نفسي عالقا وسط طابور طويل من المسافرين في مطار الملك فهد الدولي بالدمام، حيث كانوا يومها يصطفون لاستكمال إجراءات السفر وشحن الأمتعة باتجاه عروس البحر ”جدة“، بينما أنا أقف مطمئنا بلا نيات للسفر، خاليا من أي هواجس وخيالات تتعلق بإغلاق الطائرة وسفرها من دوني. كنت هناك على سبيل الصدفة، أو ربما اختارني الله أن أكون شاهد عيان على حجم القلق وطول الانتظار الذي يحياه المسافر في هذه العطلة. وقوفي يومها كان للتخفيف عن والدي الذي يمشي إلى عقده الثامن من العمر، ولا يصح أن يقف ساعة كاملة، للوصول إلى الموظف المعني بإتمام الإجراءات.

كنت أظن أن لكبار السن اعتبارا في هذه الطوابير، لذلك جربت التحدث للمسؤولين عن تنظيم عملية التسجيل، لكنهم أكدوا أن الاعتبار الوحيد هنا هو موقع الكرسي في الطائرة، إن كان في جانب الضيافة أو في جانب رجال الأعمال، وكانت لهجتهم قاطعة بأن الأولوية لمن دفع أكثر لتذاكر الرحلة، وليس لم يحمل في دفاتره عمرا أكبر!، لأعاود مجددا الوقوف في مكاني داخل الطابور، ومراقبة وجوه الناس، وهي تنظر لكبائن التسجيل في الأمام، وإلى عقارب الساعة التي تدور، وتنذر بتأخر ركوب الطائرة.

كان من السهولة بمكان معرفة أن الرحلة منذورة لرحلة أخرى تنتظرها في مطار جدة، فألسنة المجموعة الكبيرة من المسافرين تشبه لكنة أهل النيل، أي أنهم سيركبون ببركة الله قاصدين جدة لا للحج، بل لإكمال المسير إلى القاهرة، وقضاء الإجازة المنتظرة مع أقاربهم هناك. استدرت إلى أحدهم عامدا، وسألت عما إذا كان هذا الطابور هو طابور الخطوط السعودية؟، فوجود هذا الكم الكبير حملني للقلق، وأنا لا شأن لي، خاصة مع وجود كبائن لشركات طيران أخرى، فأجاب صاحبنا بالتأكيد، لكنه همس لي بأمنيته ألا تتأخر أو تلغى كسابقتها، فهم من صباح اليوم الذي سبق ينتظرون على أمل الصعود والسفر إلى بلادهم، حيث إن الرحلة تأخرت مرة ومرتين قبل أن يعلن إلغاؤها نهائيا في المساء. هنا بدأت أتفهم قلق والدي الذي كان يراقبني من بعيد، وهو يحسب الدقائق التي مرت دون تقدم يذكر.. قلق مزدوج من تأخر الطائرة أو إلغائها، وتعطل كل المهام التي يتحضر لها في هذه الرحلة.

في هذا الطابور الطويل وجدت المسافرين ممن كان مصير رحلتهم الإلغاء بالأمس، التي كانت تحمل رقم 1107، يناقشون أحوال حقائبهم ذات المصير المجهول، فالأخبار التي وردت لهم من مسؤولي الرحلة بدت متضاربة، بين قائل بوصولها إلى جدة، وقائل إنها موجودة في الدمام، فكل واحد منهم يحاول تصريف الوقت بشرح مصير حقيبته للآخر، فالذي سمع بأنه سيأخذها من جدة تفاجأ بآخر يحدثه عن تسلمها من قسم الأمتعة المفقودة في مطار الدمام، وبين حيص وبيص اندفع البعض، للتحقق من الأمر في بهو المطار، والتأكد من وجود الحقيبة هنا، أو سفرها لوحدها إلى جدة، أو اختفائها مع اختفاء الرحلة التي جرت إعادة جدولتها، لتصبح ضمن رحلة أخرى قائمة.

أولئك الذين وقفوا على تنظيم هذا الطابور قرروا في نهاية المطاف فتح كبائن أخرى، بدأت أشعر حينها بانسيابية الحركة. ماذا لو تم اعتماد هذا الخيار باكرا؟!

كنت أسأل نفسي، وأنا امتلئ بكل القلق الذي ينساب من وجوه المسافرين ممن كانوا يتذكرون مطار سين وصاد، وكيف تجري فيه الأمور بسلاسة. هل لأنهم كانوا يعلمون بتأخر موعد الرحلة؟ اسأل نفسي مرة أخرى، وأنا أقطع الطريق إلى البيت، بعد أن أرسل والدي رسالة تؤكد صعوده الطائرة في وقت متأخر عن موعد إقلاعها!.