آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 6:06 م

الحلقة الثامنة من سلسلة حوارات خيالية بين الشاعر علي بن مكي الشيخ ودواوين مجموعة من الشعراء‎‎

ديوان ”أحاول الغرق في الظل“ ‎.. للشاعر السعودي سعيد الجشي القطيفي

علي مكي الشيخ

ديوان ”أحاول الغرق في الظل“ 
للشاعر السعودي سعيد الجشي القطيفي
المطبوع بدار تشكيل عام 2022م

الشاعر سعيد الجشي..

من التجارب القليلة التي تصنع النص بروح هادئة، ينسج أنسنته للظل الذي يصادفه، ليخدعه فيختبئ في صوت أمتعته..

شاعرنا الجميل.. دعني في هذا اللقاء الخيالي..

أستكنه معك أبعاد هذه التجربة الشعرية الممتعة

السؤال الأول:

افتتحت الديوان بمدخل نثري أسميته ”مجاز لغة الرمل“

مقدمةٌ ليست لأحد..

كيف عبرت عن بطاقة عبورك لكسر الضمنية بينك وبين القارئ!؟

سعيد:

”لم يعد متسعٌ للموت أعبرُ الصحراء مرّة أخرى، أبحثُ عن استغفار الماء لغسله الأخير، أكمل طريق المرايا باحثًا عني..“

- وماذا ستفعل لتصل لتلك الغاية؟!

سعيد:

”سأنبشُ ثلاثين تابوتًا هنا، كلهم لي وحدي، ولا أعلمُ إن كنت حيًّا... تعب الموتى كلما تعثّرتُ بجذوع النخل.. انتفضوا وأنا أبدأُ العدّ من جديد..“

السؤال الثاني:

انطلاقًا من العنوان.. كيف حاولت الغرق في الظل؟!

وما تجليات الظل في تجربتك الشعرية؟!

سعيد:

لأني.. ”تبرّأتُ من خطواتي. تعلمتُ الهروبَ منَ الرياح، كلما تثاءب الغيمُ كنتُ أختبئُ بين العابرين والشامتين“

لذلك سـ ”أحاول العرق في الظل“

وإليك بعض تلك التجليات

- حبّات رمل العمر تجرحُ شيبهُ
و الظلُّ مختنقٌ بغيمة صدرهِ

- جاءت لتقتبس المسافة
من دمي
فنزفتُ ظلا.. 
كلما علمته فهم الخُطا عني استدار

- في ثوبٍ من الوكزات
تفضحُ في ظلال الغيم فلسفةُ الفتاتْ

- دعني 
فظلي عالقٌ والأرضُ تحتي ترتحلْ

- حربُ الكنايةِ
أسدلتْ أوزارها خطأً
عندما أنكرتُ ظلي
واستفاق بجانبي ظلٌ قتيل

- أنا مثقلٌ برماد من عبروا
وظلّي شاردٌ.. حدّ انطفائهْ

- ظلي هو الدرويشُ
شاطرني البقاء... 

السؤال الثالث:

تقول د. علياء الداية ضمن مقالها ”جماليات الماء في الشعر المعاصر“:

”يتسم الشعر العربي المعاصر بحضور لافت لمفهوم الماء

ضمن مفردات القصيدة.

فالماء هو: وطن الموت الكامل الذي يكون البحر

اللامنتهي، أو النهر الهادر، وحده الماء يستطيع أن يخلص التراب“

وما زلنا في عتبة العنوان.. وأنت تحاول الغرق.. الثيمة التي تتخذ الماء معادلات موضوعيا في الكثير من المعالجات الشعرية

كيف كانت هذه المفردة تتفشى في أغلب النصوص

لتستلذ حتى الغرق؟!

سعيد:

قد لا يسعني حصر الماء في جميع استعمالاتها.. ولكن سأحصر لك مفردة الغرق. وما يلمسها..

- رفقا
فبعضُ لهيبك القديس يبحرُ داخلي
كي يغرقَ العرفانُ في إفشاءِ
ما يمحو رماد الإنعزالْ

- فوقفت ترتجلُ
الظما غرقًا
يليقُ بعشبِ ذاكرةٍ 
تصير للبعيد يقينك المفطوم حدّ الإرتواءْ

- للخصر بوصلة الشفاه
وبعضها المسكوب في كلّي
لعل خريطة الجسدين تغرق
فوق إغراء الجهاتْ

- غرقى هي اللحظات يعجنها الجوى
من خارج المنفى، لداخلِ حِجرِهِ

ومن أدوات الماء.. 

- البحر:
عيناك والبحر القديم حكاية
حبلى بماضٍ مثقلٍ منْ دُرّهِ

-الشراع:
يا جدُّ... 
قد تعب الشراع ولم يزلْ
متوضئًا بالتيهِ لحظةَ كسرهِ

-السراب:
نسجَ السرابُ 
عليك آخر قصةٍ
للضوء حين أُريقَ نازفُ سِرّهِ

-الزورق:
هل كنت في صلب الغوايةَ زورقًا
حملَ المدى
نشر التضاريس العذارى 
عندما ولد الشراعُ على كفوفك خلسة..

-البئر:
أم كنت وحدك تعقد الحبل
الذي أغوتهُ بئرٌ
تلبسُ الماءَ/الكلامَ
نبوءةً في صفحهِ؟ 

-النوارس
أم بين جعفرك النوارسُ أعلنت
أنْ للحقيقةِ لعبةٌ للماءِ 
حتى يستفيق الإحتفال؟ 

السؤال الرابع:

يقول الشاعر محمد الثبيتي في ”التضاريس“:

”من شفاهي تقطرُ الشمسُ
وصمتي لغةٌ شاهقةٌ تتلو أسارير البلاد“

كما توظف الشاعرة هيفاء الجبري الصمت قائلة:

أصبحتُ
عاشقة في النهرِ صامتةً
والصمتُ منْ بردى لا ينتهي فمُهُ

ويعلق د. سعد البازعي قائلا:

”الصمت... يتحول.. إلى دلالة معلنة تستدعي استجابة القارئ للمسكوت عنه..“

كيف وظفت الصمت جماليا؟!

سعيد:

- يا قلبه
والصمتُ يغرسُ وهمه
في نبضةٍ
غرستْ بباسم ثغرهِ

- أجّلت وجه شرودك المفقود
بين قوافل الصمت العتيق.. 

- فأجبتُ والدمعاتُ فتّتْ هيكلي
صمتٌ تكسّر داخلي وجوابُ

- والصمتُ
من عيني يقولُ همومه
جرحٌ وأوجاعٌ جوىً غلّابُ

- متثاقلٌ والليلُ شدّ حقائبًا للصمتِ
يجملُ ثقلهُ... 

- شرب العقيق
وراح يكتب صمته
العالي على سورِ الضجيج
هناك يشطبه مع الضحكات نهبُ

- يقطف من دلاءِ الصمتِ
طبعَ رمادهِ المبتلّ في نزقِ الفتيلْ

السؤال الخامس:

يشير الدكتور يوسف العارف أن جمال الشعر الحداثي في المملكة يرجع إلى حضور «القرية» في قصائد الشعر الحداثي.. *صحيفة مكة

ويعلنها الشاعر فاضل الجابر في نصه «ذلك القرويّ»

”أنا ذلك القرويّ. أتلفه التمادي في بناء الشك
أيقن أنّ أصل الحبّ يكمنُ تحت أنقاض الحكايات القديمة
فاستفاق العزم فيه.. وراح يحفرُ في الحطام“

لمفردة القروي/الفلاح حضور واسع لدى شعراء القطيف

كيف تناولتها في منجزك الجميل؟!

سعيد:

- أمشي على رسْل الحياة
كأنني فلّاحُ قصتها
أبعثر للهواء حواسّه عند اكتفائهْ

- والعزلةُ الفلاحُ تسكن في دمي.. 

- لله ما نبضَ الشتاءُ
وطعمه القرويُّ منها؟ 
حينما انصهر اللهيب بحسنها 
المزروع في قلب الظلام.. 

السؤال السادس:

وأنت تستحضر مفردات القروي.. قفز لذهني تساؤل حول متعلقات الفلّاح.. في حقله.. النخيل.. وأدوات الفلاحه.

هلا عرضتها لي هنا؟!

سعيد:

حسنا.. تأمل جميل.. وسأذكر مثالا لكل عنوان:

- الفأس.. 
حتى جبين الوردِ أسلمَ روحه
للفأسِ بعدك كي يجود بعطرهِ

- السلال:
وتعيد أزهار السرابِ لعلها
تشتاقُ أن تهب المسافةُ عمرها
المدفون في وجعِ السلالْ

- المناجل:
تبلّ شييتها بأنفاس الجفاف
وتدّعي أنّ المناجلَ آسفهْ

- السنابل:
وسرقتُ أعمار السنابلِ
من ماءِ خريفك المشطوبِ
حتى تتبعَهْ

- القمح:
من سّحنة القمحِ ارتديت
الضوء وسوسة المجاز.

السؤال السابع:

”الرمز يمنح عمرًا أطول للنص، وعمقًا لا بدّ منه لضمان ديمومته وصموده وهو يقف في وجه أعاصير التسطيح التي من شأنها أن تلقيه في سلّة العادي واليومي“

هذا ما قاله الأديب العراقي عبد الرزاق الربيعي..

وأجدك لست بعيدا عن هذه التقانة الرقيقة والعميقة..

انثر علينا بعض أمثلتها

وأنت تتناص مع الرمز القرآني كثيرا:

سعيد:

- منفايَ هدهد أحرفٍ بضلوعهِ
سبأٌ تعتقَ شمسها في أسرِهِ
جدّاهُ عرشُ الحرفِ جفّفَ قلبه
مذ غار في عينيك (آصف) حبرِهِ

- أم كنت وحدك تعقدُ الحبل 
الذي أغوته بئرٌ
تلبسُ الماء/الكلام
نبوءة في صفحهِ

- يممتُ كلّ ملامحي
نحو الكؤوس المشرعات
إن طال تأويل (القميص) 
بقبلةٍ من نفحهِ

- يا يوسف الصديق
أيّةُ قصةٍ
كتبت بشوقٍ والدواتُ فُتاتي؟! 

- تحفر في شفيف القمح نافذة
وتعجنُ من أنيقِ الحلم أبوابا
تشابه جفنك المطهوّ بالقبلِ العجافِ
إذا وفى قحطٌ وتكذبُ سنبلةْ

- حتى رأيتك تعبرُ الطفَّ اشتهاءً عاشرا
(فحسينك) ابتكر المرايا
فاطمأنّ الموتُ

السؤال الثامن:

لفت نظري وأنا أتصفح الديوان اتكاؤه على أسلوب المفارقة «verbal lrony».

المفارقة ترفع منسوب التوتر الدلالي في القصيدة عبر التضاد بأشكاله المختلفة..

حتى أصبحت المفارقة في الأسلوب البنائي عصبا للعملية الإبداعية في كل الفنون الجميلة.

حبذا لو أعطينا بعض نماذج لهذه المفارقة الأسلوبية؟!

سعيد:

- خلف الدخان
أرقعُ الوقت الرماد، على خيالٍ منْ لهبْ

- أحتاج كأس الهجرِ، عطرَ وشايةٍ
وملامحًا للإثمِ
تُغسلُ من شفاهِ الأنبياءْ

- نستعذبُ الجرحَ المشاغبَ للهوى
ونؤثثُ الضحكاتِ ذنبًا للغرامْ

- وكأنها خيلٌ
إذا تعبت منَ الأصوات
يسكنها الصهيلْ. 

السؤال التاسع:

الرمل/الطين/التراب.. مفردات متعددة تنتمي لحقل دلالي واحد.. وتتميز تجربتك بكثرة استخدامك لهذه المفردات الثلاث، وما يعمق اشتغالك الشعري فيها هو «أنسنتك» لها بشكل جميل.

خذنا لبعض هذه الأنسنة الترابية ياعزيزي:

سعيد:

- حباتُ رملِ العمر
تجرحُ شيبه
والظل مختنقٌ بغيمة صدرهِ

- يامنْ عرجت لطفٍ
تحت سدرتها
رأيت رملةَ عاشوراء تنتحبُ

- هلا توقف
طينك الخمريّ عن
صبّ انزياح بين أرض براءتي

- لا دهشةٌ للباب
ولا رغيفٌ.. شاخ يبحث عنك.. 
طينك أشبعهْ

- متأرجحّ
والرملُ لم يعرفْ منَ الأقدامِ
غير خلاصهِ من صهوةِ المعنى.. 

- لستُ الغريب... 
فموقدي إرثٌ لترترة التراب

- لصبية الغيم
السماءُ تساقطت قُبلًا
يحطمها الترابُ على فمي
حتى يراودني الحُطام

في ختام هذا اللقاء شكرا بحجم هذا الظل الغارقُ بالجمال.