آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 9:05 م

الوعي الجماعي

محمد العلي * مجلة اليمامة

«هذا مصطلح نفسي/ اجتماعي، أطلقه إميل دوركهايم «1858  1917» ليشير إلى المعتقدات والمواقف الأخلاقية المشتركة التي تعمل كقوة داخل المجتمع» وقد عرف بتعريفات كثيرة أهمها أنه «إدراك المجتمع لحقيقة واقعه» وهو يتكون من جزأين: البنية القيمية والبنية المعرفية.

هذه الأقوال استقرت في أقلام الكتّاب كمسلّمات، وراح كل واحد منهم يحدد هذا «المشترك الفكري الذي يؤثر في سلوك الناس» ولكن، في كل ما قرأت، لم أجد من سأل: هل يمكن وجود هذا المشترك واقعا، أم أنه مجرد افتراض ميتافيزيقي؟

دعنا نر: لنأخذ الدين، وهو أوسع مشترك بين المجتمع، هل هو مؤثر في سلوك جميع أفراده؟ الواقع يقول لنا: كلا. فالأديان، والمذاهب ينفي بعضها بعضا، ومعنى هذا أن تأثيرها في سلوك المجتمع، أو إجماعه على رأي واحد، مجرد افتراض خيالي. كذلك فإن الأداء «الطقسي» للدين لا ينسجم، بل يتعارض  أحيانا كثيرة  مع القيم الدينية.

خذ مفهوم «المصلحة العامة» هل نستطيع القول بأن هذا المفهوم، ذو الوجه الأبيض، يجعل سلوك المجتمع موحدا، وأفكاره متقاربة؟ يجيبنا الواقع بالنفي، فكثير من الناس ينكر أن في القاموس هذه الكلمة، معتبرا أن كل فرد في أي مجتمع تحركه، فكرا وسلوكا، مصلحته الذاتية، ماعدا بعض الأفراد الذين مازالت ضمائرهم مبصرة، لم يستطع رمد الطمع الوصول إليها.

ترى، ما هو الجذر الاجتماعي الذي تفرّعت منه الأحزاب والنقابات ونشاطات المجتمع المدني؟ إنه الدفاع عن مصلحة هذه الفئة أو تلك من فصائل المجتمع، ورؤية ما يجب أن يكون عليه سلم القيم فى المجتمع، في نظر هذه الفريق أو ذاك. وهذا معناه أنه لا يلتقي المجتمع تحت دافع فكري أو عاطفي واحد، يؤثر في سلوكه. فأين يكمن هذا المسمى «الوعي الجماعي؟»

 هل تنكر مفهوم «الرأي العام» وهو مفهوم واقعي فاعل في كل المجتمعات؟

 الرأي العام خرافة مضحكة. إنه ذاك الذي يخلقه الإعلام، أو المال أو الانحياز الطائفي، أو ما يعبر عنه بصورة صريحة «القطيع» وهذا يدل على انشطار المجتمع إلى فئات لا إلى هدف مشترك يوحد سلوكه أو رؤيته. إن مفهوم الوعي الجماعي، لم يبق له  كما أشار دوركهايم نفسه  إلا اختلاف التطور التاريخي، كالاختلاف بين ما سماه المجتمع الأسطوري والمجتمع الصناعي في مستوى الإدراك المعرفي. غير أن هذا لا يعني أن هذا الوعي مشترك بمستوى واحد.

كاتب وأديب