آخر تحديث: 20 / 5 / 2024م - 5:03 م

ما لم تستطع عليه صبرا..!

الدكتور محمد المسعود

إن كان لا بد أن تغادر علاقة، وقبل أن ترحل عن صلة يجب أن تدرأ عن نفسك النقائص!. وأن تجلي الأسباب، وأن لا تغلق بابا في وجه أحد قد اعتاد الدخول منه إليك.. وأن لا تتباعد صامتا عمن اعتاد قربك، وقبل أن تخبره بالعلة التي فرضت عليك الرحيل والبعد.

الخضر ! كان بوسعه أن يخبر موسى أن العقد بينهما بطل لعدم الوفاء بالشرط الواجب فيه ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: آية 70] أن ترى ما لا تنال تفسيره، وأن تبصر ما لا يمكنك تأويله، وأن يحضر قلبك ما لا يحتمله ويقدر عليه «كما في قتل الصبي» ويتعين عليك أن تصمت حتى على المنكر العظيم الذي لا يجوز عدم الإنكار عليه!. وفي جميعها تعجل موسى، وفيها كلها لم يصبر ولم يطيق قلبه، ولم تحتمل نفسه. فأنكر، وغضب، واعترض، ورفض!!. وبعد كل مرة يعتذر صادقا ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [الكهف: آية 76]..!.

ولكن الله تعالى يعلمنا أن كل علاقة يجب أن تنتهي كما بدأت «بيقين كامل» وأن لا تنتهي من جانب واحد دون بيان الأسباب التي أوصلتها إلى قرار «البتر والقطع» لها!.

إن هذا فريضة واجبة! لأنه يمحص الحق، ويظهر العدل في هذا القرار وفي استحقاقه، فكل قطيعة يجب أن تبنى على سبب يوجبها، ويجب أن ينال من سننزل عليه هذه القطيعة حقه في الدفاع عن نفسه.

ربما كان للخطأ الظاهر سبب باطن يبرره، كما «في ظاهر الفعل السيئ من الخضر، وهو يمثل الخير المحض وتحقيق العدل، أو عطية من الله ورحمة مؤجلة»! في مرات كثيرة تحول نفوسنا ظنونها إلى حقائق مؤكدة، وفي مرات كثيرة تجعل من خواطرها وقائع حية تحققت ووقعت

ربما لم ينل منا حسن الظن الذي أوجبه الله له علينا، ربما زاغ القلب وربما طغى، وما أكثر الغشاوة على قلب لا يستقر عليه حسن ظن بمن حوله، وربما كان الخطأ بحجم ما تمليه طبيعة الضعف والعجز وعدم العصمة، وربما قصد خيرا، فتردى في نقيضه، فيشفع له طهر القصد، وسلامة النية.

أن تغادر صامتا، فهذا يوصمك بالخيانة والجبن والخذلان، وينزلك إلى منزلة من لا يمكن الوثوق به، وستصبح كالحبل الهش الذي لا يثق أحد به، ولا يتعلق أحد عليه.. كما أنك ستحمل ذنوب غيرك إن كانت أسبابك صحيحة!. وتحول دون أن يتطهر منها، لأنك لم تمتلك شجاعة أخباره بها، فقلة من الناس تبصر عيوبها.!.

حين قرر الخضر الرحيل ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: آية 78]

توقف ليظهر لموسى أنه كان نقيا وطاهرا ومحبا ومتقربا إلى الله تعالى، رغم أن ظاهر كل فعل من أفعاله كانت تخبر الناس بنقيض ذلك.

لم يترك موسى يحمل ظنونه السيئة في نفسه، لم يتباعد قبل أن يزيلها وحين أزال عن قلبه ما لا يطيق حمله، وما داخل ضميره الطاهر.. أدرك أن الرحيل هذا له أسباب صحيحة أوجبته، وها هو الآن ماض فيه.

قبل أن تغادر علاقة أظهر السبب الذي فرض عليك المغادرة بصدق مباشر وبوضوح غير موارب.