وا فشلتاه، وعادت حليمة
تعود قصة هذا المثل المتداول والعهدة على الوكيبيديا الى زوجة حاتم الطائي الذي اشتهر بالكرم فيما اشتهرت هي بعكس ذلك، كانت اذا أرادت ان تضع سمناً في الطبخ واخذت الملعقة فإنَّ يديها ترتجفان من البخل، فاراد حاتم ان يعلمها الكرم فقال لها: إنَّ الاقدمين كانوا يقولون ان المرأة كلما وضعت ملعقة من السمن في طنجرة الطبخ زاد الله في عمرها يوماً.
فأخذت حليمة تزيد ملاعق السمن في الطبخ حتى صار طعامها طيباً وتعودت يدها على السخاء، وشاء الله ان يفجعها بابنها الوحيد الذي كانت تحبه وتفدِّيه بنفسها فجزعت جزعاً شديدا حتى تمنت الموت، واخذت لذلك تقلل من وضع السمن في الطبخ حتى ينقص عمرها وتموت، فقال الناس: عادت حليمة الى عادتها القديمة.
في بعض شهور السنة تحصل هناك اختلافات بين المراجع في تثبيت الأهلة، وفي هذا السياق حديثٌ طويل فمنهم من يتحدث عن الأفق واتحاده والليل والاتفاق في جزءٍ منه مع مناطق أُخرى والعين المسلحة والمجردة والتطويق إلى غير ذلك مما لا أفقهه، ويبقى الأهم كما أعتقد بالنسبة إلينا - نحن الغير مجتهدين - هو الإعتقاد أنَّ أمراً اختلف فيه المراجع لا بد وأن يكون له مستند علمي ودليل، وإذا ما كان أحد الباحثين لديه مزيد اجتهاد في الأمر فنحن الشيعة والحمد لله لدينا مراجعنا وبالإمكان التوجه إليهم وسؤالهم أو كما يحلو للبعض التعبير «مناقشتهم» مع التحفظ على هكذا فعل.
بهذا المقدار يبدو الحديث انشائياً وبديهياً غير أنَّ الغريب هو أنَّ هذا الحديث الإنشائي لم يزل يثير الضجة كُلَّ عام وكأنَّه حديثٌ صعبٌ مستصعبٌ لا يمكن فهمه ولا استيعابه، في هذا العام رأيت تعبيراً جديداً لم ينطق به أحد على حد علمي، قال أحد الكُتَّاب - هداه الله - فيه: «وعادت حليمة لعادتها القديمة، بالرغم من وجود السبل العلمية للقضاء على مثل هذا النزاع الا أننا لا نزال مختلفين في تثبيت الهلال. وا فشيلتاه».
تصحيح المسار الديني، هذه الأمنية التي يسعى إليها بعض المؤمنين لن تتحقق أبداً ما لم يستطع هؤلاء أن يدركوا أنَّ الزام الناس بغير فتاوى مراجعهم لن يؤدي فقط إلى رفض الآخرين، وإنَّما إلى تخريب المسار الديني وإفساده وإضافة المزيد من أسباب الشقاق، الهلال، التطبير وزواج القاسم وغير ذلك من المواضيع الموسمية لا ينبغي للمؤمنين محاولة الزام الآخرين بآراء غير مراجعهم، من جانب آخر فإنَّ شعار «لا للإستفزاز» أراه مهماً جداً في هذا السياق.
هناك تعابير جارحة جداً يطلقها البعض للآخر المختلف، ومع أنَّ هكذا شخص يدعي أنَّه يسعى لتنوير الناس وهدايتهم لما يعتقده صواباً إلاَّ أنَّه لا يستطيع أن يُدرك أنَّ التسويق لأي فكرة تحتاج إلى لسان هادئ يحترم الآخر المختلف معه ولو ظاهراً حتى لا ينكفئ هذا الآخر ويصد عنه، هذا التسويق بالكلمة اللينة الحسنة هو أزمة من أزمات تصحيح المسار الديني، فهناك من يريد الإصرار على أنَ الصراحة هي ما ينبغي لنا أن نتحلَّى بها، وهو لا يستطيع التمييز بين الصراحة والفظاظة في القول، بين الصراحة والإهانة، بين الصراحة والشتم، الأمر الذي طالما أدخل المجتمع في زوبعات لم تكن لتحدث لو امتلك هذا المسوِّق لساناً لينا هادئا.
لا أستهدف في هذا المقال الرد على صاحب الكلمة، هو أخ مؤمن أحمله على محمل الخير وأظنُّه يبحث عن صلاح مجتمعه، وهناك الكثير ممن يسلكون مسلك الإصلاح، غير أنَّهم من حيث شعروا أو لا يُفسدون أكثر مما يصلحون ويهدمون أكثر مما يبنون، كلمته التي نقلتها هي شاهد فقط لفكر وطريقة أداء قائمة، أظنها تحتاج لتصويب وإرشاد، هذا والله من وراء القصد.













