الدين والعلمانية والجودة
في دراسة أجرتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» بعنوان «الفساد المالي والإداري في الجهات الحكومية الخدمية»، ومن خلال أخذ عينة عشوائية مكونة من 1254 من الموظفين والمراجعين في ثلاث مناطق في المملكة هي مكة المكرمة والرياض والشرقية، أظهرت نتيجتها أنَّ السبب الأول في الفساد هو ضعف الوازع الديني، ثم يليه ضعف أداء الجهات الرقابية والقضائية، والتساهل في تطبيق العقوبات النظامية، ثم تلتها تباعاً مجموعة من النقاط بنسب أقل، في اعتقادي أنَّ أهم ما ينبغي الوقوف عنده هو «الوازع الديني» وتلك القناعة التي تحملها نسبة كبيرة من الناس في كافة مجتمعاتنا العربية والاسلامية من أنَّ حل مشكلاتنا الكثيرة لا سيما الفساد يبدأ وينتهي من سلطة الضمير والمبدأ.
كثيرة هي تلك الأصوات التي تتحدث عن الدولة الدينية بصفتها القادرة على تحقيق كافة متطلبات الحياة السعيدة للإنسان، فيما يُقابل هؤلاء من يتحدث عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة كنقيض للدولة الدينية وكطريقة لبناء الدولة المدنية المتقدمة، على المستوى الشخصي، أختلف مع كلا الرأيين انطلاقاً من قناعة أنَّ المعايير الحقيقية لبناء الدول لا ترتبط إلا بنسبة قليلة جدا بهذين الأمرين، إنَّ الدولة ككيان يتكون من قطاعات «وزارات» كثيرة كالصحة والمواصلات والتعليم والصناعة والزراعة وغيرها، بناء كل قطاع بما يوصله إلى أعلى مستوى من الجودة ليس له علاقة بالمبدأ والدين واللادين إلا بمقدار يسير، ارتباطه الأول بمواصفات الجودة العالمية المتفق عليها ومدى تحقيقها، حينما نتحدث - والحديث هنا من باب التمثيل - عن وزارة المواصلات التي تقوم بشق الطرق وعمل الجسور وغيرها، فإننا نتحدث عن تركيب كيميائي وبمواصفات معينة للإسفلت وكذا لإسمنت الجسور وغيرهما، كما نتحدث عن صورة هندسية لها ضوابط علمية محددة، المواصفات الجيدة هي التي تصنع طريقاً جيداً وجسراً قوياً، لا يوجد شيء اسمه جودة إسفلت علمانية!! لا يوجد شيء اسمه جودة جسر إسلامي أو مسيحي أو يهودي، والحال هو الحال في الصحة، فلكي نبني قطاعاً صحياً جيداً ينبغي أن تكون لدينا مستشفيات بعدد متناسب مع عدد السكان، وينبغي أن تكون لدينا المعدات الطبية والأطباء الأكفاء للمرضى، لا توجد علاقة بين النسبة العادلة لعدد المستشفيات بالنسبة للشعب من جهة وبين الدين أو العلمانية من جهة أخرى، حينما نقول أنَّ لكل ألف مواطن ينبغي أن يوجد سرير طبي واحد مثلا، فهذه النسبة لن تتغير بتغير دين الدولة أو فكرها، وكذا الحال حينما نتحدث عن نظام المرور فنحن نحتاج لكي نبني نظاماً مرورياً جيداً لإشارات مرور وكاميرات لكشف السرعة ولتنظيم السير، لا يوجد شيء اسمه إشارة إسلامية وإشارة علمانية، لا يوجد شيء اسمه سرعة إسلامية وسرعة علمانية، كل هذه الأمور بالإمكان ملاحظتها في الغرب، فحينما تجد أنَّ الصحة والتعليم والطيران والدفاع والأمن والزراعة والصناعة كلها قطاعات في أعلى مستويات التقدم، تجد أنَّ السبب يعود في المقام الأول إلى معايير الجودة وطرق الرقابة عليها، الدين والعلمانية واللادينية كلها ليس لها ارتباط، نعم الدين يمنع ويحرِّم أشياء، ولكن هذا التحريم لا يتعارض مع معايير الجودة العالية، وكذا العلمانية تبيح أشياء ولكن لا تتعارض مع الجودة، من هنا فإنَّني لا أرى أن الجدل الذي يثيره الدينيون والعلمانيون في موضوع بناء الدولة المتقدمة يرتبط ارتباطاً مهماً ببناء الدولة، بل أعتقد أن معظم تلك النقاشات ربما تكون أشبه بالمهاترات أو الجدل غير القائم على معرفة حقيقية بطريقة بناء المنظمات الناجحة.
الحديث عن علاقة الوازع الديني بالفساد هو حديث من لا يدرك أنَّ أكثر الدول انخفاضاً في مستوى الفساد هي دول غير مسلمة، الإنسان هو الإنسان في كل مكان، متى ما منحت له الفرصة لجلب المنفعة إلى نفسه ولفئته سيفعل ذلك غالباً، الحل لمحاربة الفساد وبناء الدولة المتقدمة هو بناء سلسلة المواصفات والمقاييس العالية للجودة والرقابة على تنفيذها، هذه المواصفات هي التي ستجعل الإنسان العلماني أو المسلم أو غير المسلم إنساناً صالحاً على مستوى السلوك، ربما لا يكون في قرارة نفسه مقتنعاً بكل شيء، ولكن لأنه يُدرك أن لا سبيل إلى الفساد في ظل النظام المحكم السائد في محيطه، فإنَّه سيضطر مرغماً إلى الامتثال له، وهذا تماما ما يرتقي به أولاً ويرتقي بالدولة إلى مصاف الدول المتقدمة.













