آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 4:57 م

المحبطون والرأي

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

مشاعر الحزن والألم التي يعيشها الإنسان في بعض الأوقات هي عادة مشاعر متكررة ولا يخلو منها أحد، الاستمرار في هذه المشاعر هو ما يقود للاكتئاب كدرجة متقدمة من الحزن، بحث العلاقة بين الإحباط بهذا المفهوم وبين الإنتاج من جهة، والإرهاب من جهة أخرى له ما يبرره، فالإنسان المحبط هو عادة ما يملك مزاجاً يؤهله للانتقام مما يعتقدها مسببات لآلامه وأحزانه، لا أعني بالانتقام هنا حالة العنف بالضرورة، الإضرار كمفهوم يشمل درجات كثيرة أقصاها العنف، فيما هناك درجات أدنى من ذلك تصل بالإنسان المحبط إلى الإضرار بالمصلحة كعمل انتقامي يجد أن له الحق فيه، البحث في أسباب الإحباط هو مهمة كل إداري وفي أي منظمة، السبب هو أن الأفراد قادرون متى ما أرادوا على سرقة الوقت والجودة بل وإتلاف الإنتاج لأجل الانتقام ممن يعتقدون أنه السبب في إحباطهم وظلمهم، من هنا فبيئة العمل الإيجابية التي ينعم فيها الجميع بالحقوق وبمستويات عدالة عالية هي البيئة الأكثر قدرة على خلق أشخاص مبدعين ومنتجين.

تنامي ظاهرة العنف في كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي تعكس كما أظن مستويات الإحباط التي تعيشها هذه الشعوب من عناوين مختلفة، بعضها يتعلق بالحريات، انفلات الأمن، الفساد والوضع الاقتصادي وغيرها، في اعتقادي أنَّ عنوان «محاربة الإرهاب» هو عنوان كبير يرادف تماماً محاربة عوامل الإحباط المختلفة التي تعاني منها الشعوب، وهذا ما يجعل اعتقاد البعض بأنَّ الإرهاب هو مجرد حالة فكرية أو أيديولوجية فقط اعتقاداً غير دقيق، في تصوري أنَّ مشروع محاربة الإرهاب له ارتباط وثيق بالتنمية وانعكاسها الإيجابي على سعادة الشعوب ورفاهها، وهذا «الانعكاس الإيجابي» ولكي يتحقق ينبغي بالحد الأدنى الوقوف في وجه الفساد والفاسدين الذين هم عادة السبب الأبرز في محاربة التنمية، لا أقصد بالفساد هنا الجانب المتعلق فقط بسعي الإنسان لمكاسب شخصية أو فئوية على حساب القانون، بل أيضاً بجانبه القانوني الذي يتجاهل سلوكيات فاسدة من سلسلة مخالفاته وعقوباته.

يعتقد المحبطون أنَّ الفاسدين هم من يسلبونهم مستقبلهم ومستقبل أُسرهم، هذا المعنى كما أعتقد هو معنى وجداني يستطيع أن يلاحظه الجميع، من يضارب في أسعار العقارات ويُسهم في مضاعفة قيمها لدرجات غير منطقية هو شخص فاسد، ليس فاسداً بالمعنى القانوني، بل هو فاسد في نظر الشعب، وكذا الحال في توطين الوظائف وغيرها، من هنا فحينما يكون ضمن أهداف شركة «مكنزي» التي وضعت رؤية المملكة 2030 خلق ستة ملايين وظيفة على سبيل المثال، فإنَّ السؤال الذي يتبادر إلى ذهن كثيرين هو: هل ستكون هذه الوظائف بالفعل من نصيب السعوديين أم من نصيب غيرهم؟! تقييم منطقية السؤال من عدمها له ارتباط بما يجري الآن من سلوكيات نسبة تكاد تكون ساحقة من شركات المملكة، فالوظائف لم تكن يوماً من الأيام شحيحة، ولكن المشكلة الحقيقية هي في التوطين وصناعة الأسباب المنطقية له؛ لذا فحينما يغيب الدافع الحقيقي له فإنَّ خلق ستة ملايين وظيفة ربما ستسهم في توظيف ملايين الأجانب على حساب المواطنين.

المحبطون هم شريحة تمتلك من البصيرة ما يجعلها قادرة على وضع أصابع اليد على مواطن الخلل في كل خطة تنموية، مشاركة هؤلاء بالرأي والمشورة تستطيع أن تُسهم في وضع خطط أكثر صرامة في الوقوف في وجه الفاسدين الذين هم سبب مهم في التقهقر العلمي والاقتصادي والقانوني الذي تعيشه معظم الدول العربية، أما حينما يستمر الإحباط فسيكون الناس يوماً بعد يوم أكثر قناعة من أنَّ الفساد أحد خيارات تحقيق آمالهم، وهذا ما يتسبب في مشكلات اجتماعية وأمنية تقود المجتمع يوماً بعد آخر إلى مزيد من التخلف والسقوط.