تنمية القانون
من أهم وأجمل السمات التي ينبغي أن يتسم بها الإنسان، الرغبة الدائمة في التغيير إلى الأفضل، التغيير كمصطلح فلسفي له كثير من الشروح التي يتفق أغلبها على «إعمال العقل لتغيير الأخلاق والسلوك وطبيعة النظرة إلى المستجدات بشكل دائمٍ إلى الأفضل»، هذا التغيير له درجات كثيرة وكلما كان أكثر ابتعاداً عما اعتاد الناس عليه كانوا أكثر عدائية ونفوراً منه، لذا يمكن أن نقيس مدى تقدم المجتمعات بمدى قبول أفرادها التغيير بكافة مستوياته، وعادةً ما تكون المجتمعات الأقل تقدماً هي أكثرها رفضاً له لأسباب كثيرة ربما يكون الخوف من المجهول وتقديس السائد من أهمها.
يقول الرئيس الأمريكي «وودرو ويلسون»: «إذا أردت أن يكون لك أعداء أكثر فحاول أن تغير شيئاً ما»، أما المثل العربي المعروف فيقول «الناس أعداء ما جهلوا»، غير أنَّ الجهل بحد ذاته ليس بالضرورة هو السبب الأبرز في العداء للتغيير، أحد الأسباب المهمة لذلك هو فقد شريحة المنتفعين بالوضع السائد امتيازاتها التي تتمتع بها، ما يجعلها تُحارب أي وضع يسلب منها ذلك أو يهدد نفوذها الاجتماعي، من هنا فالتغيير بحد ذاته ممكن دائما بشرط وجود القوة والقدرة والإرادة اللازمة للتغير، وهذه الإرادة تعني في أدنى درجاتها الإيمان بأهمية التغيير كعنصر لا بد منه لتقدم المجتمع.
رؤية المملكة 2030 هي رؤية يُنتظر منها تغيير جذري في أمور كثيرة تمس في المقام الأول اقتصاد المملكة المعتمد في أغلبه على النفط لتتجه به من اقتصاد المورد الواحد إلى الاقتصاد المتنوع، هذا النوع من التغيير لم تتقبله أول الأمر نسبة ربما ليست بالقليلة من المجتمع، بسبب سيطرة النفط كمورد اقتصادي مهم على عقولهم، في حين يبدو هذا القرار قراراً استراتيجياً مهما حينما يلازمه التنويع في مصادر الدخل وصناعة الصناعة والطاقة والتعليم والصحة وغيرها بنحوٍ أفضل، غير أن التغيير وإن بدا أمراً لا بد منه إلا أنَّه ينبغي أن يكون بموازاته حزمة من القوانين التي تحفظ حقوق الأطراف المختلفة، في هذا السياق تداول مغردون في الأسابيع الأخيرة بعض مظاهر التجمهر التي قام بها موظفو أحد المستشفيات الخاصة الكبرى مطالبين برواتبهم المتأخرة، هذا المظهر تكرر كثيرا في الفترات الأخيرة بعدما أقدمت كثير من الشركات على تأخير رواتب الموظفين لأسباب ربما لم يكن لهم بد منها، المشكلة في هذا السياق هي أن القانون لا يقدم للجهة الأضعف - وهم الموظفون - حلولا منطقية تنقذهم من المعاناة، في حين كان ينبغي عليه ذلك، في اعتقادي أن التنمية والقانون ينبغي أن يسيرا بشكل متواز، وحينما تكون التنمية أسرع من القانون فإن أمورا سلبية كثيرة لا محالة ستحدث وستتجرع مرارتها الأطراف الأضعف، كل كيان إداري يتسارع في نموه دون وجود ضوابط قانونية ونظامية فإنَّه سيجد نفسه لا محالة عاجزا عن الاستمرار، أو سيواجه مشكلات كان يستطيع تلافيها من قبل، من هنا فإنَّ «تنمية القانون» ينبغي أن تكون هدفاً من أهداف التنمية العامة، بحيث يكون هذا القانون يوماً بعد آخر مستوعباً للمستجدات وأكثر قدرة على حماية الأطراف المختلفة.













