آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 4:57 م

«تبي والا خله»

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

قرار وزارة الزراعة بالتوسع في استيراد المواشي تسبَّب في انخفاضٍ وصفه بعضهم بالانهيار في الأسعار. ردود الأفعال على هذا القرار كانت متباينة جداً، ففي حين رأت نسبة من تجار المواشي أنَّ فتح السوق بهذه الطريقة سيؤدي إلى تضررهم الكبير وانهيار تجارتهم، رأى المستهلكون أنَّ أسعار المواشي وصلت إلى قيم فلكية، تضررت منها جميع شرائح المجتمع لكون اللحوم غذاءً رئيسياً في المملكة، وبالنتيجة فإنَّ هذا الانخفاض سينعكس إيجاباً عليهم ما جعل هذا القرار برأيهم قراراً مهماً وحكيماً، يصب في صالح الجميع. وكان الهاشتاق التفاعلي بعنوان «#انهيار_أسعار_المواشي» من أكثر الهاشتاقات نشاطاً هذا الأسبوع، حيث عبَّرت من خلاله نسبة كبيرة من المواطنين عن سعادتها البالغة بهذه النتيجة، متمنين بالتأكيد أن يأتي الدور على كل سلعة مهمة يمارس فيها التجار ما يمكن تشبيهه أحياناً بالابتزاز لمال الشعب وقُوْته.

هناك معادلات اقتصادية منطقية تفرض على السوق والمستهلكين نتائج ربما يصح وصفها بالحتمية في الوضع الطبيعي، وهذا ما يجعل نسبة من الاقتصاديين يفضلون عدم فرض القوانين والحدود السعرية على السوق، وتركه للمعادلات المنطقية ليُنَظِّم نفسه بنفسه. ما حدث أخيراً في «سوق المواشي» هو تماماً هذا الأمر، فحينما كانت هناك حالة أشبه ما تكون باتفاق بين صنَّاع السوق على أسعار مرتفعة، يساعد في ذلك قلة المعروض وارتفاع الطلب، كانت الأسعار مرتفعة، وبقيت دائماً كذلك، وبمجرَّد زيادة المعروض من خلال فتح باب الاستيراد انخفضت الأسعار مباشرةً إلى قيم يصفها كثيرون بالعادلة، هذا الأمر يحيلنا إلى تحليل «منطقية أسعار» كثير من السلع المهمة ذات الأسعار الباهظة، ففي حين تتميز أغلب هذه السلع بقلَّة المعروض قياساً بالطلب المرتفع، فإنَّ التصحيح المنطقي لا يحتاج إلا إلى زيادة المعروض، ومع ذلك فإنَّ هذه الخطة البديهية تبقى معلَّقة لفترات طويلة، والمستهلك هو دائماً الضحية. العقار يدخل أيضاً في هذا الباب، فعدم وجود معروض كبير من المخططات المطورة، أو من المنازل، جعل أسعار العقار مرتفعة جداً بالقياس مع كل دول العالم. مَنْ يتصور أنَّ فلوريدا مثلاً وهي مدينة الجمال والجامعات والفضاء والبحيرات تقل فيها أسعار المنازل عن كثير من مخططات مدن المملكة الرئيسية؟! أحد الأسباب البديهية في ذلك هو شح المعروض بالنسبة إلى الطلب، لذا فالمعالجة ينبغي أن تبدأ من هذا الطريق، ودون ذلك لا يبدو في الأفق أي حل ممكن.

التذمر الذي أبداه مجموعة من التجار حول انخفاض أسعار المواشي، هو تذمر طالما عاشه المستهلك فترات طويلة. المستهلكون اليوم يعيشون هذه الحالة مع كثير من السلع المهمة في حياتهم. التضخم العام في السلع يعود في أحد أسبابه إلى سلوك التجار الاقتصادي الذي لا يبتعد عادةً عن معادلات العرض والطلب. تشريع قوانين تحارب الاحتكار، وتفتح السوق، وتسمح بزيادة المعروض من خلال تقليل القيود على ذلك لاسيما في السلع المهمة، هو خيار لابد منه لتنظيم السوق، ودون ذلك فإنَّ المسار التصاعدي لأسعار السلع سيستمر دائماً، وسيجد التاجر نفسه يوماً بعد يوم أكثر ثراءً وربما جشعاً، ولن يكترث بتبرير رفعه المستمر أسعاره ما دام الناس مضطرين إلى التعامل معه، بل لن يكون حتى مضطراً إلى تبرير سوء خلقه، وسماجة أسلوبه حينما يسائله شخص ما عن سبب استمراره في رفع أسعاره ليكون جوابه دائماً وبكل وضوح: «تبي والا خله»، ومع ذلك سيكون متأكداً من أن المستهلكين جميعاً مضطرون إلى التعامل معه وهم مع الأسف أذلاء وخانعون.