آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 4:57 م

العلماء بين الهجرة والبقاء

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

يعتقد أينشتاين أنَّ كل إنسان في الغالب عبقري وإن تفاوتت نسبة الجهد التي يبذلها لتحصيله للعلم، وهو بذلك يؤكد على أنَّ الإنسان يتحمل بنفسه نسبة مهمة من المسؤولية في بذل القدر اللازم من الجهد للوصول إلى أعلى الدرجات، في إحدى كلماته التي يصف بها نفسه يقول «ليست الفكرة في أني فائق الذكاء، بل كل ما في الأمر أني أقضي وقتاً أطول في حل المشكلات!»، هذا المعنى عاد ليكرره في كلمةٍ أُخرى مخاطباً المجتمع ليقول «كل إنسان عبقري.. ولكننا إذا حكمنا على عبقرية سمكة عن طريق قدرتها على تسلق شجرة، فستظل السمكة طيلة حياتها معتقدة أنها غبية»، هذه الكلمة تؤكد على قناعة ملخصها أنَّ الإنسان بذاته عبقري، ولكنَّ عبقريته قد تكون في علمٍ ما أو فن دون آخر، وبالنتيجة فإنَّ هناك مضماراً مختلفاً للإبداع لكل إنسان، وفشله في جانبٍ ما لا يعني بالضرورة فشله في جانبٍ آخر.

هناك رأي يقول إنَّ العلم ينقسم إلى نافع وآخر غير نافع تبعاً للغاية التي أرادها صاحبه، نظرية التراكم المعرفي تتجاهل هذا الجانب تماماً لتؤكد أنَّ «التراكم الكمّي للاكتشافات العلمية هو الذي يؤدي إلى حدوث تغير كيفي» بمعنى أنَّ كل إسهام علمي هو في حقيقته درجة من العلم تساعد العلماء الآخرين على الابتداء منها إن أثبتت صحتها، أو تلافيها إن أثبتت عكس ذلك، وبالنتيجة فإنَّ الفائدة هي نتيجة حتمية ليس لها علاقة بنوايا هذا العالم وأيديولوجيته، الحديث حول هذا الجانب يكتسب أهميته من الكم الكبير من اللغط الذي يبديه بعضهم حول شخصية علمية قدمت للبشرية علماً ما وشهدت لها المحافل العلمية بذلك، ففي حين يُثني بعضهم على ما قدمته للإنسانية من فائدة في مجال تخصصها يتفرغ بعضهم الآخر للحديث عن جوانب شخصية حول هذا العالم مرتبطة تارة بأخلاقياته وتارةً أُخرى بتوجهاته السياسية وولاءاته، هذا النوع من الجدل لا يعدو كونه سلسلة من المهاترات التي لا تكشف إلا عن نظرة سطحية للأمور.

هجرة الإنسان عموماً لا سيما العربي إلى البلدان المتقدمة هي في أغلبها رغبة في الحياة الكريمة التي يشعر فيها الإنسان بالحد الأدنى بإنسانيته، وتكون فيها الظروف مواتية جداً للإبداع ونيل أعلى الدرجات العلمية، أعتقد أنَّ الحضارة الغربية استطاعت أن تصل إلى ما هي عليه الآن حينما احترمت الإنسان ومنحته البيئة العلمية التي تمكنه من الإبداع، وحينما استقطبت العلماء والكفاءات الذين لا شك أنَّهم سيحترقون في بلدانهم الأصلية إلى بلادهم المتقدمة، في اعتقادي أننا كمجتمعات عربية وإسلامية ينبغي أن نمنح أي كفاءة علمية وجدت في الغرب طريقاً للنجاح العذرَ في بقائها هناك، لا يمكن بحال من الأحوال أن أُطالب ببقاء هذه الكفاءات في أوطانها الأصلية أو برجوعها إلينا من الغرب ونحن حتى الساعة غير قادرين على توفير البيئة الصالحة لهم لمواصلة أبحاثهم العلمية وتقديم ما هو نافع للبشرية.