ونُّوس
قدم الفنان المصري الكبير يحيى الفخراني برفقة الفنانَين نبيل الحلفاوي وهالة صدقي وجملة من الفنانيين المبدعين المسلسل الدرامي الرائع «ونّوس»، الذي عُرض على فضائية MBC في شهر رمضان الفائت، وكان بحق إحدى الروائع الدرامية التي قدمتها هذه القناة، المسلسل الذي أكد من خلاله يحيى الفخراني أنَّه بالفعل قامة عملاقة لا يمكن لها أن تتراجع، هو مسلسل اشتقت قصته من إحدى الحكايات الشعبية الألمانية وشخصيتها البطلة «فاوست»، الذي باع نفسه للشيطان مقابل أن يمنحه روحه بعد الموت، يكتسب المسلسل تميزه كما أعتقد لكونه حلَّق بعيداً عن النمطية الدرامية العربية وقدم شيئاً مختلفاً يُمثل في حقيقته مورد ابتلاء لكل إنسان في هذا العالم وبغض النظر عن دينه وفكره، ونّوس الذي قام بأداء دوره الفخراني هو تجسيد لدور الشيطان «إبليس»، ودوره في التلاعب الذكي بأفكار الناس وآرائهم وبالنتيجة جرِّهم إلى الانحراف، الانحراف كتعريف ليس بالضرورة ذلك الشكل التقليدي المعروف فقط، بل بشكله الداعي إلى قلب المفاهيم وتحويلها في الذهن إلى سلوك حسن.
الحالة الفكرية التي يعيشها العالم العربي والإسلامي عموماً هي مصداق من أهم مصاديق التقهقر العام والتخلف، الإرهاب الذي قام به خوارج العصر وضرب بلدنا وكثيراً من بلدان العالم كفرنسا وبلجيكا وألمانيا وقبلهم العراق وأفغانستان يُعبر في حقيقته عن نجاح مهم في آلية الاستقطاب والتسويق التي تنتهجها هذه الجماعات التكفيرية للمجاهدين، «ونّوس» يجسِّد دور الشيطان الذي لا يدفع أحداً عادةً لترك العبادات الرئيسة والأخلاق المهمة، «ونّوس» يروج للمتدينين أنَّ التمسك بالدين يستدعي القيام بالعمل الفلاني، وبالنتيجة يُشرعِن الانحراف بقالب ديني ويجعل الإنسان يتعبد به ظناً منه أنَّه الطريق الأقوم الموصل لرضاه، هذا الأمر كما أعتقد يمثل تكتيك الاستقطاب الأهم الذي تستخدمه الجماعات التكفيرية والإرهابية، إنَّ أي شخص يُقدِم على الانتحار وقتل الأبرياء يعتقد يقيناً أنَّ عمله سيقوده يوم غد لرضا الله سبحانه وتعالى والعشاء مع أوليائه الصالحين في الجنة، الذي مثَّل دور «ونّوس» في هذا المشهد الحقيقي هو تماماً ذلك الداعية الذي استخدم الدين كأداة للإرهاب وروج للجهاد ضد مصالح الوطن ومقدراته وطوائفه المختلفة، وبالنتيجة كان سبباً في تشويه سمعة ديننا الإسلامي السمح بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، هذا الداعية هو «ونّوس» الذي جعل نسبة من الشباب وكردة فعل طبيعية ينحرفون في الاتجاه المعاكس إلى أن وصل ببعضهم الحال إلى تبني أفكار الملحدين والمنحرفين حينما وجدوا الدين سبباً يوصلهم إلى الإرهاب والتخلف والرجعية، ونّوس الداعية هو بحق الرجل الذي أفسد مجتمعنا وأفسد أُمتنا العربية والإسلامية وأسهم بشكلٍ واضح في ترسيخ فكرة مفادها أنَّ ديننا الإسلامي السمح هو دين الإرهاب والتطرف والغلو.
«ونّوس» هو نموذج الرجل الذي يُرسِّخ في المجتمع معايير ومقاييس مغلوطة للدين والحياة، وبالنتيجة يجعل مضمار التكامل عكسيا تماماً في أذهان الناس، ففي حين يتنامى الإنسان بالعلم والمعرفة والثقافة والسلوك الخيِّر، فإنَّ «ونّوس» يدفع بشبابنا إلى الكراهية والبغض والتحريض على العنف، «ونّوس» بنسخته البشرية هو المجرم الحقيقي الذي يحيط بشبابنا ويلقمهم الأفكار الهدامة ليجعل غاية آمالهم رضا الله سبحانه وتعالى ولكن بالإرهاب والقتل والدمار، في اعتقادي أنَّ نسبة قد لا تكون قليلة من النَّاس يعرفون «ونّوس»، يعرفون منبره الإرهابي، يعرفون جهوده التحريضية على الكراهية والشقاق، لذا ينبغي على الجميع أن يُحذِّروا أبناءهم والمحيطين بهم منه، وقبل ذلك يُلفتون نظر السلطات الأمنية عن نشاطاته المشبوهة، وفي اعتقادي لو حصل تعاون اجتماعي كبير بين الناس، لاستطعنا بشكلٍ كبير محاصرة «ونّوس» وإزالته من مجتمعاتنا.













