مدير الحضور والانصراف
لا أميل للرأي القائل إن الإدارة هي علم بحت وإن الفن يشكل جزئية بسيطة منه لا تلغي حقيقته كعلم، ذلك أن الإنسان نماذج متعددة ومتباينة، وبعدد هذه النماذج تختلف الطرق القادرة على تحفيز إمكانياته وضبط رغباته بالشكل السليم؛ لذا فالإداري الجيد هو ذلك القادر على فهم حقيقة كل موظف والتعامل معه بالطريقة الأقدر على جعله عنصراً فاعلاً من عناصر الإنتاج، بعيدا عن هذا الجدل هناك شريحة من الإداريين تمثل نسبة لا يستهان بها تنظر للإدارة على أنها مجرد ضبط للحضور والانصراف، منتهى آمال هذا المدير هي فقط أن يرى موظفيه كل صباح وفي أول الوقت تماما على مكاتبهم وفي أقسامهم الوظيفية، وكذا وقت الانصراف، أما بين الحضور والانصراف فوجوده كمدير ربما كان أسوأ من عدمه؛ لأنه لا يفقه من الإدارة إلا الالتزام الآلي بالدوام، ولا يرى واجباً على الموظفين إلا البقاء داخل أسوار الشركة حتى وإن كانوا يتسكعون على مكاتب غيرهم أو مجتمعين في ديوانية المدخنين. أهمية الحديث حول هذا النموذج تنبع من أن هؤلاء الإداريين هم أحد أهم أسباب تراجع الشركات وانحدارها، ذلك أن الغرض الأساسي من وجود الموظف هو المشاركة في الإنتاج، بينما إداريون كهؤلاء لا يدركون هذه الحقيقة كما يجب.
مفهوم «الإدارة بالأهداف» يعني أن لكل دائرة ولكل موظف فيها أهدافاً ينبغي عليه تحقيقها، ويشكل نسبة تحقيقها كما ينبغي نسبة التقييم العادلة لأدائه، هذا الحديث يعني أن مجرد الحضور والانصراف وسلسلة التزلف والشللية في العمل لن تكون كافية في إكساب الموظف أي قيمة حقيقية لدى إدارته؛ لأن هذه الإدارة تنظر إلى النتيجة كهدف أكثر من نظرتها للمقدمات، فالموظف الذي يتصفح الإنترنت ويقرأ الجرائد لفترات طويلة من الدوام سيكون أفضل بكثير من ذاك المنهمك في العمل حينما تكون إنتاجية الأول أفضل من الثاني، السبب هو أنَّ الأول وبسبب براعته وإمكانياته العالية كان قادرا على إنهاء عمله في فترة قصيرة بينما الثاني ولأن إمكانياته المهنية متواضعة فإنه يقضي ساعات عمل طويلة دون محصلة إنتاجية جيدة، المدير غير المدرك لمفهوم الإنتاجية سيميل في هذه الحالة لذلك المنهمك في العمل ظنا منه أنه مخلص ومنتج، وسيكون غاية في القسوة على ذلك المتفوق وبالنتيجة سيتحول هذا المدير إلى عنصر مهم من عناصر تثبيط كل القوى المبدعة داخل المنظمة حينما يُبدي لها دائما أنَّها لا تقدم الأداء المُرضي.
في أجواء الإدارة المنشغلة فقط بالحضور والانصراف تتولد لدى الموظفين نزعة ربما يصح تسميتها بالنزعة الانتقامية من الشركة، ففي الوقت الذي تتعامل فيه هذه الإدارة مع موظفيها وكأنهم مجموعة من المساجين فإن الموظفين أنفسهم ينتقمون من هذه الشركة بمعاملتها بالمثل تماما، فحينما يعتقدون أن تقدير إنتاجيتهم العالية واجب على المنظمة في حين لا تقوم هي بأكثر من استفزازهم بالتدقيق المفرط بالحضور والانصراف ومعاقبتهم عليه فإنهم أيضا كردة فعل منطقية يتكالبون عليها ويجتهدون في تقليل الإنتاج كفعل انتقامي ملبين لإدارتهم فقط جانب الالتزام بالدوام، وكل ذلك ما كان ليحدث لولا أن هذا المدير لا يريد أن يعي أهمية المرونة وأهمية زرع الحب في قلوب الموظفين لعملهم، ولا يعي أيضاً أنَّ موظفاً غير منتج لن يكون لالتزامه الميكانيكي بالحضور والانصراف سبب في تقدم المنظمة وارتقائها، هذا الحديث لا يعني أن يُترك الحبل على الغارب تماماً للتسيب والإهمال، ولكن يعني أهمية التوازن والوسطية في الإدارة والنظر إلى الإنتاجية كهدف أسمى من أهداف العمل.













