المفكرون الصامتون
«لا تستحِ من إعطاء القليل، فإنَّ الحرمان أقل منه». هذه الجملة المعلقة على كثير من الجمعيات الخيرية التي تحث على البذل لذوي الحاجة، يمكن تطبيقها كذلك خارج المعنى المادي الصرف لها على كثير من أوجه العطاء المختلفة، ولأن هناك شريحة تبرر لنفسها دائماً عدم المبادرة بأي عمل له طابع تطوعي يخدم المجتمع بحجج أيسرها أن التخلف أكبر بكثير من أن يقوم شخص لا يملك قيمة ولا نفوذاً بتصحيحه، فإنَّ هذه الرواية جاءت لتؤكد أنَّ أقل مستوى من العطاء هو أفضل بالتأكيد من الحرمان، وبالنتيجة لا ينبغي لأي شخص يملك القدرة على ذلك التنحي جانباً، وعدم القيام بشيء.
أعطني معلماً أُعطِك وطناً. هذه الحقيقة غير متبلورة في كل المجتمعات العربية على النحو المرضي، وبتفاوت في المستوى. رحلة بناء المعلم في كندا والنرويج وغيرهما من الدول المتقدمة هي رحلة شاقة، تصل بهذا المعلم أخيراً إلى المقدار الذي يمكِّنه من بناء شعب يفهم الوطنية على أنها بذل الوسع في تطوير البلاد بكل ما يستطيع من قدرة بعيداً عن أي عنوان تبريري يسعى أصحابه إلى رمي اللائمة على الغير دون الاعتراف ولو لمرة واحدة بالتقصير، ويدرك كذلك أن بناء الذات والاستمرار في تطويرها ضرورة إنسانية ومنطقية، يحتمها التطور الدائم في العلوم المختلفة. مازلنا بعيدين كثيراً عن ذلك المستوى المرموق للمعلم، ولاشك في أن وزارة التعليم معنية تماماً بتطوير كليات المعلمين بالقدر الذي يجعل الكفاءات المتخرجة قادرة على مواكبة مستويات المعلمين في الدول المتقدمة، وبالنتيجة قادرة على صناعة أجيال تُحسن التفكير المنطقي، وتسعى دائماً إلى التكامل بعيداً عن المظاهر الجوفاء البالية، والتعالي غير المبرر على الآخرين، غير أن الإصرار على رمي اللائمة على متخذ القرار في التطوير هو كما أراه هروب من تحمل ولو نسبة بسيطة من واجب الإرشاد الاجتماعي. إعطاء قليل من العلم للمحيطين أفضل من الحرمان والصمت، كل إنسان يملك هذا النوع من الإدراك ينبغي أن يبدأ بنفسه وبالدائرة الضيقة من المحيطين به، ثم الأوسع والأوسع. الصحافة تتيح الفرصة لأصحاب الأقلام للكتابة، هناك قنوات التواصل الاجتماعي، وهي منابر تستطيع إيصال الصوت إلى ملايين الناس، لا يوجد أي مبرر منطقي في رأيي لكل صاحب فكر وتجربة أن يلتزم الصمت، ويبرر ذلك بأن التطوير مسؤولية متخذي القرار فقط.
في تصوري لو بادر كل شخص يملك العلم والإدراك الحقيقي بما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، لو بادر كل شخص كذلك بتوعية المحيطين به أولاً، ثم انتقل إلى الدائرة الأوسع في مجتمعه ووطنه، سنستطيع أن نوسع دائرة المدركين بأنَّ الإنسان لا ينبغي له يوماً أن يتوقف عن طلب العلم، كما لا ينبغي له يوماً أن يتوقف عن بناء مجتمعه ووطنه. طابور المنتظرين على أبواب المكتبات في الدول المتقدمة والباحثين عن كتاب صدر حديثاً لمؤلف معين، هو مشهد تفتقده كثير من دولنا العربية. الباحثون عن تطوير أنفسهم علمياً وثقافياً وسلوكياً لايزالون يتسابقون على المكتبات الوطنية في مشهد تعسَّر عليَّ شخصياً أن أراه في أي مجتمع عربي. بناء الإنسان على النحو الذي يجعله إنساناً مبدعاً ومنتجاً يحتاج إلى تعليم متقدم ومعلمين تمَّ صناعتهم كما يجب، ولكن لا يعني عدم وجود هؤلاء أن يلتزم جميع المفكرين والمثقفين الصمت تماماً ويستثمروا فيه ليثبتوا أننا كنا ومازلنا أمَّة متخلفة، وسنبقى أبد الدهر كذلك.













