الخصخصة.. الخطوة الأهم
طالما كانت الخصخصة أداةً مهمةً، ليس فقط في بناء اقتصاد الدول، بل وفي بناء مجتمع القانون، الذي ينعم فيه الجميع بالمساواة والحقوق، ذلك أنَّ أحد أسباب تجاوز القانون أحياناً، هو عدم القدرة على نيل الخدمة بالطرق المشروعة، وهذا ما ينتفي حينما يصبح الربح هدفاً لصاحب المنظمة، ما يجعله أكثر الناس حرصاً على خدمة عملائه بمستوى مرتفع من الجودة، والأداء العالي.
للخصخصة تعاريف كثيرة، تتفق في أغلبها على «تحويل ملكية قطاع خدمي تمتلكه وتُديره الدولة إلى قطاع ربحي يمتلكه القطاع الخاص». المقصود هنا بكلمة «قطاع خدمي»، أي قطاع غير ربحي، ما يعني أنَّ أي قطاع خدمي يُشكِّل في حقيقته عبأً مالياً على الدولة من جهة، وبيئةً قابلةً لتنامي الفساد من جهةٍ أخرى، فالقطاعات الربحية تقوم وبشكل مستمر على مفهوم الرقابة، وتطوير الأداء، والإنتاجية بما يحقق أعلى مستوى ممكن من الربح، ما يعني أنَّ التطوير هو سمة مهمة من سماتها، عكس القطاعات الخدمية، التي لا يُشكِّل أمر كهذا بالضرورة هدفاً مهماً لها، وبالنتيجة ينتفي دافع الرقابة والتطوير بما يجعل هذه المنظمة قابلة لتشكُّل بؤر الفساد فيها.
تشير إحصاءات وزارة الصحة إلى أنَّ ميزانية الوزارة في العام 2007 كانت 22.8 مليار ريال، وتنامت هذه الميزانية وبشكل مضطرد حتى وصلت في العام 2015 إلى 62.3 مليار ريال، وبلغ إجمالي الميزانيات من 2007 إلى 2015 206.82 مليار ريال. هذه المبالغ الطائلة لاشك في أنَّها شكَّلت عبئاً كبيراً على ميزانية الدولة، ورغم كل ذلك لم تُشكِّل سبباً في تطور هذا القطاع إلى المستوى الذي يتناسب مع حجم الإنفاق. الخطة التي أُعلن عنها بخصخصة هذا القطاع من خلال إنشاء شركة قابضة لإدارة المستشفيات الحكومية، تمتلكها الدولة والقطاع الخاص، ومنح المواطنين تأميناً صحياً بحيث يتحول دور الوزارة إلى «التنظيم، والمراقبة، ووضع السياسات، وإدارة التمويل»، هذه الخطة من شأنها صناعة فرق كبير في مستوى هذا القطاع الحيوي الذي لطالما كان بعيداً عن المستويات المأمولة، والحديث عن نقل ملكية هذا القطاع إلى القطاع الخاص كلياً، أو جزئياً، يعني أنَّ استمرار الموظف في وظيفته خاضع لمستوى أدائه، كما يعني أنَّ أجور الموظفين خاضعة لأسعار السوق، وأنَّ الانضباط العام، والإنتاجية وحدهما ما سيحدد بقاء الموظف داخل أسوار المنظمة، أو رحيله. هذا النوع من الحساب والرقابة، وتقلص مستوى الأمان الوظيفي، هو الذي يرتقي بمستويات الأداء إلى حيث تكون النتيجة الخدمية النهائية بمستوى جيد ومميز، أما دون ذلك فليس ثمة دافعاً لحُسن الأداء إلا الضمير، وهذا ما لا يمكن التعويل عليه.
في اعتقادي أنَّ خصخصة القطاعات الخدمية إجمالاً، لاسيما القطاع الصحي، سيشكِّل نقلة نوعية كبيرة في الأداء، ومستوى الخدمة، كما سيشكِّل وقفاً لاستنزاف المال العام، وتوجيهه إلى جوانب تنموية أخرى، تعود بالفائدة على المواطنين. وزارة الصحة، التي طالما كانت أحجية صعبة الحل سابقاً، هي على أبواب عهد جديد من التغيير على يد الوزير الحالي الدكتور توفيق الربيعة، الذي ارتقى بوزارة التجارة إلى مستويات متقدمة، تجعلنا متأكدين من أنَّه سيرتقي كذلك بوزارة الصحة إلى المستوى الذي سيجعل مستشفياتنا تضاهي مستويات عالمية متقدمة. الأمل يجعلنا ننتظر بفارغ الصبر خصخصة هذه الوزارة مع بقية الوزارات الخدمية لنرى بذلك عهداً جديداً من الأداء الخدمي الذي سيجعلنا لا محالة ننافس تلك البلدان المتقدمة التي سبقتنا في الخصخصة عشرات السنين، فكان أن تقدمت ولم تزل كذلك.













