آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 4:57 م

العاملات المنزليات والحقوق الضائعة

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

آلمني كثيراً ما نشرته صحيفة «الشرق» الأسبوع الفائت من قيام مواطن بسجن عاملة منزلية تعمل لديه، ومنعها من السفر إلى بلدها ثلاثة عشر عاماً، بالإضافة إلى عدم دفع رواتبها كل تلك الفترة، البالغة 98000 ريال. الجهات الأمنية بدورها باشرت القضية، واستطاعت القبض على المواطن، وإيقافه إلى حين محاكمته، بينما أعادت للعاملة كامل مستحقاتها.

القانون، وفي أي مجال، هو مدونة تتضمن في جزءٍ رئيسٍ منها الحقوق والواجبات. أن يعرف الإنسان حقوقه فهو أمر بديهي، يشكِّل بحد ذاته حصانة من تلاعب الطرف الآخر بحقه، وهذا ما جعل المشرِّع العمالي يسنُّ المادة «13» من نظام العمل السعودي، التي تؤكد على أنَّ عِلم الموظف بالقانون هو أحد حقوقه المفروضة على صاحب العمل. المشكلة أولاً في هذا السياق هي ألَّا يعرف الموظف أنَّ ذلك من حقوقه، وثانياً في قيام صاحب العمل باستثمار جهل الموظف لتمرير ما هو مخالف للقانون. هذا الأمر هو كما أراه أحد أهم أسباب الظلم الوظيفي، فالجهل يعني باختصار عدم قدرة الطرف المتضرر على تقييم ما يواجهه، ومعرفة ما إذا كان ظلماً، أو غير ذلك. معالجة هذه الحالة من الجهل كما أعتقد لا يكفي لكي تتحقق أن نسنَّ مادة قانونية فقط، فالرقابة على تنفيذها تمنح جهات العمل أسباباً منطقية للامتثال والالتزام، أما دون ذلك فلن يتشكَّل أي دافع حقيقي لها لعمل ذلك.

في اعتقادي أنَّ استغلال مكتب العمل تقنيات الاتصالات الحديثة لنشر الوعي بين العاملات المنزليات تحديداً، هي فكرة جيدة، يبررها الجهل القانوني الكبير لدى هذه الشريحة. القانون ألزم صاحب العمل بتحديد تسع ساعات راحةٍ يوميةٍ لهن، كما ألزمه بيوم راحة أسبوعية، وقبل ذلك بعقدٍ مكتوبٍ، وبنودٍ كثيرةٍ، من أهمها حفظ كرامة العاملة، وعدم استغلالها في وظيفة تختلف جوهرياً عن وظيفتها المدونة في العقد. أعتقد أنَّ قيام مكتب العمل بإرسال رسائل دورية، وبلغات العاملات إلى هواتفهن تحت عنوان «اعرفي حقكِ» وتتضمن بعض الإرشادات القانونية، وبعض الحقوق الرئيسية، وكذا أمثلة عن ممارسات الظلم الشائعة ضدهن، أعتقد أنَّ ذلك سيمنح العاملات معلومات قانونية، تشكِّل صمام أمان لحفظ حقوقهن، فضلاً عن أنها ستجعل صاحب العمل أكثر حذراً في التعامل معهن، كما أنَّ استحداث خط ساخن لتلقي شكاوى التجاوزات الاستثنائية يمكن كذلك أن يُسهم في إيقاف كل مخالف عند حده، ومحاسبته وفق القانون.

العاملة المنزلية المسجونة ثلاثة عشر عاماً دون أجر، إذا صحَّت الرواية، هي مثال وحالة مؤلمة من استبداد أصحاب العمل، وفي تصوري أنَّ هذه الحالة ربما تشابهها كثير من الحالات الأخرى، التي لم تظهر إلى العلن، وبمستويات مختلفة من الظلم، فهناك من أرباب العمل من الرجال والنساء مَن لا يستطيع أن يتصور أنَّ هذه العاملة المنزلية هي إنسانة، لها حقوق، ولها كرامة، ينبغي أن تُحفظ، وينبغي احترامها، ومعاملتها كندٍّ في الإنسانية. هناك مَن يصل به الحال إلى ضربها، وإهانتها، وربما إلى ما يشبه التعذيب النفسي والجسدي لها، كل ذلك يُعبِّر عن قناعة خطيرة بأنَّ هذه العاملة هي ملك من الأملاك الشخصية لهذا الرجل، أو تلك المرأة.

لم تأتِ عاملة منزلية إلى هذه البلاد، وتترك عائلتها، وربما أطفالها إلا والفقر والعوز كانا وراء لجوئها إلى ذلك، وربما كانت لها مكانتها الاجتماعية المرموقة في مجتمعها، وعلى الرغم من هذه المعاناة والاغتراب إلا أنها تلاقي في بعض الأحيان شتى أنواع الإيذاء النفسي، وربما التعذيب. وجود اتصال مباشر بين وزارة العمل والعاملات المنزليات سيمنحهن شعوراً إيجابياً بأنَّهن محل عناية القانون، وأنَّه قادر دائماً على حمايتهن. في اعتقادي أنَّ أمراً كهذا لو حصل سيستطيع بنسبةٍ ما تحقيق مستويات أعلى من حفظ الحقوق، أما دون أي مبادرة من هذا النوع فلربما نجد بين الحين والآخر صوراً متكررة كثيرة لحالات من الظلم لا تقل مأساوية عمَّا حدث لتلك العاملة المسجونة.