بين الجسر وأمل القطار
يعتبر مشروع قطار الحجاز الذي ابتدأت به الدولة العثمانية عام 1900 إبان ولاية السلطان عبدالحميد الثاني الذي ربط حينها دمشق بالمدينة المنورة مروراً بالأردن، يعتبر أحد أهم وأعظم المشاريع التي قامت بها لخدمة الحجاج، زادت تكلفة هذا المشروع على 3.5 مليون ليرة عثمانية أسهمت بها الدولة وحكومة مصر المركزية وتبرعات من التجار المسلمين، المشروع الذي أشرف عليه المهندس التركي مختار بيه، وشارك فيه خمسة آلاف عامل على مدى ثماني سنوات، شكّل نقلة تاريخية في نقل الحجاج بعدما كانت تُستخدم قوافل الإبل، الأربعون يوما التي كانت القوافل تستغرقها للوصول إلى المدينة المنورة تحولت إلى خمسة أيام، هذا ما شكّل حينها ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الحجاج حتى تبدد كل ذلك أثناء الحرب العالمية الأولى وبداية انهيار الدولة العثمانية على يد البريطانيين، الذين أسهموا مع القوميين العرب الثائرين ضد العثمانيين في إتلاف الخط الحديدي العظيم.
حينما تتوفر مقومات السياحة الأساسية فإن النقل السريع والأقل تكلفة سيكون سبباً مهماً في اجتذاب أعداد كبيرة من السياح، من هنا عمل الأوروبيون على ربط أجزاء واسعة من أراضيهم بشبكة قطارات سريعة شكّلت عاملاً أساسياً في الارتقاء بالجانب السياحي لديهم، ووفقاً لتقارير منظمة السياحة العالمية في 2015؛ فقد تربعت فرنسا على قائمة أكثر دول العالم اجتذاباً للسياح ب 84.7 مليون زائر في السنة، فيما احتلت المملكة المركز الأول عربياً ب 18.25 مليون زائر، في اعتقادي أنَّ المملكة قادرة جداً على الارتقاء بهذا الجانب ومضاعفة عدد الزوار إلى حيث ينافس أهم بلدان العالم، وحدهما الحرمان الشريفان قادران على اجتذاب عشرات الملايين من المسلمين سنوياً، المشكلة الأساسية كما أعتقد هي في اقتصار وسيلة السفر إلى المملكة على الطيران، وهذا ما يجعل تكلفة السفر باهظة نسبياً، في اعتقادي أنَّ استثماراً سعودياً أو إسلامياً مشتركاً يقوم على ربط الحرمين الشريفين بالبلاد الإسلامية المجاورة عن طريق قطارات سريعة يستطيع وبنسبة كبيرة مضاعفة زوار المملكة ومضاعفة دخلها من هذا الجانب الحيوي المهم، قطار الحجاز شكّل قبل قرن من الآن منعطفاً مهماً في عملية نقل الحجاج إلى المشاعر المقدسة، استنساخ ذات الفكرة في ربط البلاد العربية والإسلامية المجاورة بشبكة قطارات سريعة على غرار النموذج الأوروبي يستطيع كما أعتقد توفير أسباب منطقية لزيادة عدد الزوار، وفي اعتقادي أنَّ مشروعاً كهذا لو تم فسيحقق للمملكة دخلاً مهماً سيشكل بدوره دفعة للاقصاد الوطني وخطوة مهمة في سياق تقليل الاعتماد على النفط.
قرار إنشاء جسر الملك سلمان بين المملكة ومصر يصح كما أعتقد وصفه ب «القرار التاريخي العظيم»، ليس لأنه سيربط الجارتين العربيتين الكبيرتين وسيزيد التبادل التجاري بينهما إلى مستويات كبيرة فقط، بل لأنه سيزيد عدد زوار المملكة لا سيما الحرمين الشريفين إلى مستويات غير مسبوقة، من المناسب جداً أن نهنئ أنفسنا بهذا الإنجاز التاريخي المهم، وأن نتمنى جداً أن تستمر عجلة التنمية بنفس الوتيرة لنرى عمَّا قريب مشروعاً على غراره يربط الدول المحيطة بنا لا سيما الخليجية بشبكة قطارات سريعة تصلهم بالديار المقدسة، ولا شك أنَّ أمراً كهذا لو تم فإنَّه سيحقق مستويات عالية من الزوار ستجعلنا ننافس في هذا القطاع الحيوي المهم أكثر وأهم بلدان العالم جذباً للسياح.













