الأمة العربية بين المؤامرة وتطوير الذات
المؤامرة كمفهوم لا تعني بالضرورة ومثلما يعتقد كثيرون اجتماع مجموعة من الأشخاص من أجل التخطيط والاتفاق على مشروع ما ضد طرف آخر، ثمة رأي أوسع من هذا الرأي يقول إن المؤامرة يكفيها لكي تتحقق وجود أطراف تقوم بأعمال تشكل نتيجتها قيمة سلبية للطرف الآخر، حتى إن لم يقصدوا ذلك، أصحاب هذه النظرية لا يضعون النية السيئة والتخطيط شرطا للمؤامرة، وبناءً على هذا الرأي أيضاً فإنَّ الوقوف في وجه أي مؤامرة يكفيه لكي يتحقق القيام بقصدٍ أو دون قصد، بعمل ما يفوت الفرصة على أمر سلبي قد يتحقق في ظروف معينة، ما تقود إليه إجمالي هذه الفكرة هو أنَّ حديث النيات غير مهم البتة في الأمر، وأنَّ الأولى منه دائما هو الارتقاء بالذات إلى حيث لا يشكل ما يقوم به طرف ما أي ضرر على الطرف الأول.
تقسيم الإنسان إلى سلبي وإيجابي بناءً على قناعاته بمفهوم المؤامرة هو تقسيم له ما يبرره، فإلانسان السلبي يبرر كل أمر سيئ على أنَّه مؤامرة ثم يكرر ذلك في كل مجلس ومحفل وفي كل يوم وأي مناسبة، دون أن يفكر في الإصلاح ولو لمرة واحدة، فيما الإيجابي ينظر إلى الإصلاح والتطويرعلى أنَّه أولوية غير مؤقتة وغير مشروطة بحدث أو زمن معين، ما يميز الطرف الثاني أنَّه يرى أنَّ البحث عن الجوانب السلبية في الذات من أجل معالجتها واجب، بحيث يكون التكامل عملاً مستداماً لديه لا يتوقف أبداً، من المناسب في هذا السياق التمثيل بمفهوم «العميل السري» لدى البنوك، فكرة هذا العميل هي القيام بدور طالب الخدمة، بحيث يقوم بكامل الإجراءات كغيره من المراجعين العاديين ويدوِّن جميع الملاحظات التي يقدمها للإدارة، هذه العملية تستطيع عادةً كشف أخطاء إجرائية تمكن متخذ القرار من تصحيحها، البحث الدائم عن العيوب وتصحيحها هو عادةً ما يفوِّت الفرصة على أي مؤامرة مقصودة أو غير مقصود للإضرار بالمصالح.
لافت هو غلاف مجلة «ويب» البولندية، أوw Sieci الشهيرة، التي وضعت عنوانها البارز Islamski Gwalt na Europie وترجمته «الاغتصاب الإسلامي لأوروبا»، كما وضعت صورة فتاة تحيط نفسها بعلم الاتحاد الأوروبي وأياد سمراء اللون تحاول انتزاعه في إشارة لمحاولة الاعتداء عليها من قبل عرب ومسلمين، في هذا السياق تفاوتت الآراء والتعقيبات على هذا الأمر كثيراً ويبقى القاسم المشترك في كثير من تلك التعقيبات هو مفهوم المؤامرة واستبعاد أي جانب سلبي أو احتمال خاطئ من قبل بعض العرب والمسلمين في حادثة تحرش ليلة رأس السنة الشهيرة في ألمانيا، شخصياً لا أستطيع أن أنفي احتمال المؤامرة ولكن لا بُدَّ لنا أن نعترف أنَّ هناك نسبة من العرب والمسلمين يسيئون إلينا جداً ويمنحون غيرنا الذريعة لمهاجمتنا وإعابة ديننا وأمتنا، نحن لسنا ملائكة لكي لا نُخطئ، أُمتنا العربية والإسلامية تعاني في كثير من القضايا من التخلف والرجعية، ليس لدينا جامعات تتبوأ مراكز متقدمة، ليس لدينا صناعات متقدمة، إننا متأخرون في الرياضة والفنون وحقوق الإنسان، أن نُصر دائماً على نكران ذلك وأن نتشبث بأنَّ كل جانب سلبي في مجتمعنا هو نتيجة مؤامرة، فهذا أمر يبعث على السخرية ويجعلنا عوض التفكير الجاد في تطوير الذات، نُفكر فقط في اتهام غيرنا وتعليق شماعة فشلنا عليه.













