آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 4:57 م

مَنْ فعل بنا هذا؟!

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

الرأي العلمي هو عنوان لا يتحقق من إنسان يجهل المعايير الصحيحة للاستنباط المنطقي، هذه الجملة تعني أنَّ نقد أي أمر تخصصي بحت من شخص كذلك هو أمر أقرب للعبث منه إلى الرأي، هذا الكلام بهذا المقدار صحيح، ولكن ثمة تناقضات لا ينبغي لغير المتخصص غض النظر عنها وافتراض أن المتخصص «أخص» بها، ما هي الحقيقة؟، سؤال يُعيدنا كما أسلفت إلى المعايير، هل معيار الحقيقة هو المنطق؟ أم هو التجربة؟ أم هو أمر آخر خارج هذه الثنائية؟ أسئلة هي عادةً ليست متيسرة في إجاباتها لكثير من الناس، وطالما كانت محل نزاع بين الفلاسفة أنفسهم، ما يهمنا بعيداً عن هذا الحديث هو أن الإنسان ينبغي أن يملك رأياً في أصول العلوم الإنسانية المتعلقة بالمعتقدات والأفكار، وأن يمتلك فطنة وشجاعة تمكنه من رفض كل ما هو مناقض للعقل حتى إن أتى ممن منحه الناس لباس القداسة.

في مقالي الفائت «المُقيِّدون للعقول»، تناولت أُطروحة ديكارت حول الشك والمنهج التجريبي وأشرت في ثنايا المقال إلى أنَّ الإنسان ينبغي له أن يبذل وسعه في التجرد من الانتماء أولاً وإعمال عقله ليُعيد مرةً أُخرى تقييم قناعاته وأفكاره ويحدد بالفعل ما إذا كانت منطقية أو غير ذلك، ما ينبغي أن يكون تتمة للمقال الفائت هو أنَّ إعمال العقل لا يُقصد به خوض غير المتخصص في أمر تخصصي بحت، ما قصدت به هو الخطوط العريضة التي يستطيع الإنسان عادةً معرفتها بالبحث والنظر؛ وما يدفع لذلك الطرح هو أنَّ الإنسان في عصرنا هذا متشتت بين تيارات فكرية وثقافية وإعلامية كثيرة جدّاً وكل فئة تروِّج لما تعتقده بأساليب متقنة ومحكمة، بعض هذه المنابر الإعلامية مُستحوَذ عليها من أشخاص أقل ما يقال فيهم إنَّهم إرهابيون ومروِّجون للكراهية والحقد بين الناس، هذه المنابر استطاعت بالتأكيد اجتذاب نسبة من شبابنا وشباب العالم بأسره للانتظام في قوافل الإرهاب والكراهية للأُمم، ليقعوا بالنتيجة في فخ الحزبية والعصبية ويصبحوا جزءاً من صراعات لم يكن لهم يد في حدوثها. الإنسان الذي يرفض قناعات المحيط كمرحلة أولى ثم يتبعها بالبحث والنظر هو أكثر قدرة على تجنب التأثر بأمثال هؤلاء.

حادثة لاهور الحزينة الأخيرة وقبلها حادثة بروكسل، ليستا عصيتَين في أسبابهما على الفهم، فليس المنفذون فقط هم من يقفون وراءهما، هؤلاء المغسولة أدمغتهم هم آخر حلقات السلسلة، أما أولها فهم المفسرون المتطرفون الذين نشروا الكراهية وبغض الأمم بل وبغض الإنسان المختلف عموماً، حتى أصبح المتأثرون بهم ينشرون فكرهم في كل مكان، روضة أطفال في لاهور يقوم انتحاري بتفجيرها ويقتل عشرات من النساء والأطفال، ما هو الهدف الاستراتيجي الذي يود هذا الإرهابي تحقيقه؟! أكاد أجزم بأن لا شيء سوى أنَّه يظن أنَّ طريق الجنة يبدأ من هذه العملية، من قال له ذلك؟ من فسر له الدين بهذه الطريقة؟ أسئلة كثيرة تكشف إجاباتها المجرم الحقيقي الذي يقف وراء قتل آلاف الآمنين العزل في العالم.

في اعتقادي أنَّ الإنسان الذي يعلن رفضه لأي نوع من أنواع الوصاية على عقله ويمنح نفسه فرصة كافية للتفكير المنطقي والتأمل سيكون أكثر قدرة على كشف الأساليب الملتوية التي يتبعها هؤلاء في نشر التطرف والإرهاب، أما إذا أراد التعامل مع عقله كتعامله مع أي كتاب يوضع في مكتبةٍ ما للزينة، فسيكون أكثر من يتأثر بهؤلاء المسوِّقين، وسيبقى يكرر دائماً كلمة «آمين» بعد كل جملة لعن وكراهية للناس ينطق بها هذا الإرهابي.