آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 4:57 م

المقيِّدون للعقول

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

يدعو ديكارت في كتابه «مقالة في المنهج»، إلى عدم ركون الإنسان في اعتقاداته وآرائه إلى ما يتداوله الناس على أنها حقائق. يعتقد ديكارت أنَّ الإنسان، لكي ينحى منحى منطقياً في تفكيره، ينبغي له أولاً أن يفترض ألا شيء هناك يمثل حقيقة مطلقة ينبغي التسليم بها دون نظر. هذا التجرد برأيه هو خطوة مهمة لإعادة تشكيل مجمل الاعتقادات والأفكار بناءً على أدلة منطقية بعيدة عن تأثير المحيط. القواعد التي وضعها ديكارت للمعرفة هي أربعٌ، أولها البداهة، والثلاثُ التالية هي قواعد استنتاجية. الحقيقة من جانبٍ آخر، التي يعيشها كل إنسان، هي دائماً ما ترتبط بالمعايير، فمَنْ يضع المعايير في ذهن الإنسان هو المتحكم الحقيقي بقناعاته وسلوكياته التالية، ونزعاته، لذا فإعادة النظر كذلك في المعايير هي أول درجة من درجات «نحو» الإنسان منحى أكثر عقلانية في التفكير، ودون هذا المنحى سيبقى هذا الإنسان مقيَّداً بحقائق، هو مَنْ أسهم بإرادته وبقبوله في فرضها على نفسه.

بين الوهم والحقيقة مسافة قصيرة جداً، هذا ما يفسر الارتباط الذي يصل بالإنسان الأيديولوجي أحياناً إلى درجة عالية من اليقين، تجعله يُفني نفسه فداءً لما يظنه حقيقة لا تقبل الجدل، فيما قد تكون هذه الحقيقة مجرَّد وهم. القابلية لتشكل الأوهام في الناس لها ارتباط أصيل بانعدام ثقافة التفكير الحر والمحايد، ليس ثمة سبيل لتجاوز ذلك إلا بإعادة إشغال الإنسان نفسه باخضاع كل شيء للنظر والتمحيص بعيداً عن التسليم الوراثي، أو التقليدي الذي ينشأ من ثقافة القطيع والمحيط، هذا النوع من الحياد وإخضاع الأفكار إلى ميزان علمي وبحثي تجريبي، هو ما يرتقي عادةً بهذا الإنسان ليصبح أكثر قدرة ومناعة على رفض الخرافات، أو الموروثات التي ليس لها أصل علمي، أو منطقي، ورفض كل مسوِّق للإرهاب والعداء بين الناس.

الدعاة الحقيقيون للإرهاب يميلون عادةً إلى تسويق أفكارهم في البيئة التي ينعدم فيها التفكير المنطقي والتجريبي، ويميل فيها الناس إلى التسليم بالأفكار دون بحث ونظر. هؤلاء يجدون في هذا الإنسان، وصفحة ذهنه البيضاء، فرصة ذهبية لإلقامه معايير مغلوطة تجعله أسيراً في نتائجه بها. هذا الإنسان هو أفضل عينة يمكن اجتذابها للإرهاب، والفساد، والعداء للأمم، ونقيضه تماماً هو الإنسان غير المكترث بكل هالة إعلامية تصنع لتمجيد، أو طمس حقائق معينة، أو ما يتداوله الناس بوصفه حقائق يقدسونها دون دليل. هذا الإنسان يمنح نفسه قدراً كافياً من التفكير والبحث قبل أن يُسلِّم بما يقال، ويروَّج له بأنه حقيقة، وهو الأقدر كما أعتقد على بناء مجتمع آمن ومعافى من كل شكل من أشكال التطرف والتخلف.

الرافضون لحرية التفكير، والبحث، هم الأعداء الحقيقيون للأمم، لا أتحدث هنا عن العلم، الإنسان، أي إنسان، قد يصل إلى مراتب عالية من العلم، ولكنه مُقيَّد بنمط معين من التفكير، يجعله نسخة مكررة من كل الناس. الإنسان الذي لا يضع لنفسه قيوداً في التفكير، ولا يمنح عقله وفكره لقواعد، شاء الآخرون من حوله التسليم بها، هذا الإنسان هو المؤتمن على أمن المجتمع وتقدمه، هو المؤتمن على إيصال رسالة حب وخير وسلام إلى العالم بأسره، لأنَّ الحب والخير من الصفات الأصيلة والفطرية في الإنسان، لا يفقدهما إلا حينما يلوثه المحرضون والمقيدون للعقول ليصنِّفوا الناس طبق أهوائهم المريضة ونزعاتهم الإقصائية.