آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 4:57 م

إعادة بناء الإنسان.. الخطوة الأهم

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

يعتبر استخدام أدوات الإنتاج بأقل من قدرتها الإنتاجية خسارةً. هناك مَنْ يرى أنَّ الإنسان، هو أهم تلك الأدوات، وأنَّ عدم استغلاله بالشكل الأمثل يعني خسارة بالغة لا يمكن لأي أداة إنتاجية تعويضها، هذه الخسارة تَطَّرِدْ كلَّما كان هذا الإنسان أبعد ما يكون عن المستوى الأمثل لإمكاناته وطاقاته، والخسارة في سياقنا هنا بصفتها مفهوماً لا تعني معناها المالي الصرف، الذي يتحقق حينما يكون إجمالي التكاليف أكثر من إجمالي العوائد للسلع، بل تعني تفويت منفعة، كان في الإمكان الحصول عليها وتحقيقها.

الأثر، الاستعداد، والتدريب والتطوير، هي أهم القوانين التي ابتكرها العالم الأمريكي إدوارد لي ثورندايك في سياق بناء الإنسان والنهوض به. المقصود بالأثر هنا، هو الأثر الطيب، الذي يُثير مشاعر من الارتياح والحب، بحيث يميل الإنسان نفسياً إلى تكرار ذات الفعل، أمَّا الاستعداد، فهو مجموعة الظروف التي تجعل الإنسان راضياً عن التعلم، ولو في توقيتٍ ما، وتحت ظرف معيَّن، وأخيراً التدريب والتطوير، وشرطه الممارسة الحقيقية، وتكرارها بعد معرفة الأُسس الصحيحة لأدائها. هذه القوانين الثلاثة تُشكِّل عموداً فقرياً لأي عملية تعليمية، وربما هي الأسس التي دون إدراكها لا يصح أنَّ يُطلق على المعلم هذا اللقب. الأثر الطيب يعني باختصار زراعة حب العلم في المتعلم، بحيث يتكوَّن لديه شعور داخلي، يدفعه دائماً إلى الإقبال عليه، ولا يمكن لمعلم أن يزرع الأثر، وحب العلم في الطالب إلا حينما يمتلك شخصية «جذابة»، قادرة على فهم خصائص الطالب النفسية، وظروفه المحيطة، بحيث يستطيع أن يسهم في تذليل الظروف، التي تصرف ذهنه عن التعلم الجيد، ويسهم في حل المشكلات، التي يعاني منها خارج أسوار المنظمة التعليمية، أما الاستعداد، وهو القانون الثاني في النظرية، فهو يعني باختصار صناعة الرضا في الطالب عن الظروف التعليمية المحيطة. الرضا هو بمنزلة المفتاح الحقيقي للتعلم. الذكاء، وإن كان مهماً لاستيعاب المنطق العلمي، ولكن دونما استعداد، ورغبة حقيقية، ورضا في المتعلم لن يكون هذا الذكاء سبباً في التعلم، ويبقى التدريب والتطوير، هو القانون الأخير من النظرية، الذي يقوم على أساس أنَّ أي إنسان يحتاج إلى درجات مختلفة من تكرار التعلم والتدريب، ما يعني أنَّ المعلم ينبغي أن يدرك التفاوت في الطلاب، والقدر الذي ينبغي منحه إلى كل طالب ليصل إلى المستوى المطلوب.

ينقسم العالَم إلى دول متقدمة ونامية، ما يميز الدول المتقدمة هو أنَّها عملت أكثر ما عملت على بناء الإنسان، بحيث يقترب إلى المستوى الأمثل من ناحية الأخلاق والنظام والإنتاج، فكان أن أسهم بحق في صناعة الحضارة العظيمة، أمَّا الدول النامية، فإنَّ رغبتها في التقدم يعني في أولى مراحله إعادة بناء الإنسان، الإنسان هنا هو المهذّب أخلاقياً، الذي يدرك بالحد الأدنى أنَّ للآخر حقاً في الفكر والاعتقاد والرأي، هو الإنسان المبدع علمياً ومهارياً، بحيث يُسهم في بناء الوطن وإعلاء اسمه، وهو الإنسان الملتزم بالنِّظام، والرافض لكل شكل من أشكال الفساد، هذا الإنسان هو بلاشك الأداة الإنتاجية القادرة على الإسهام في بناء الوطن وتقدمه، أما دون ذلك، فإنَّه الإنسان الذي يُسهم في إفساد الوطن، وفي معاناته، بل وفي إفساد العالم بأسره.