ثورة النحيلات
تعود أول مظاهرة نسائية للمطالبة بحقوقهن العمالية إلى العام 1820، حينما خرجت النساء في شوارع مدينة نيو إنجلاند بولاية ماساتشوستس الأمريكية، احتجاجاً على الظروف اللاإنسانية التي يواجهنها في أعمالهن، كانت حينها الأجور زهيدة وساعات العمل طويلة، ما جعل النساء يعشن ظروفاً سيئة وفقراً مدقعا، حتى أصبحن نحيلات جداً فسميت ثورتهن حينها «ثورة النحيلات»، تلا ذلك بأعوام وتحديداً في الثامن من مارس 1859 مظاهرة شارك فيها آلاف النساء، حاملات الخبز اليابس والورد، وأطلقن على ثورتهن شعار «خبز وورود»، الذي جرى أنَّ قوات الأمن الأمريكية تعاملت مع هذه التظاهرة بوحشية شديدة وبقمع، فحصل أن أصبح هذا اليوم يوماً مشهوداً للنساء في الذاكرة الأمريكية، وتشكلت تدريجيا في الأعوام التالية تكتلات نسوية انضمَّت إليها نساء من الطبقات المتوسطة وشاركن في المطالبة بحقوق المرأة وفي التظاهر في هذا اليوم تحديداً، حتى أصبح رمزاً للمرأة ولنضالها في المطالبة بحقوقها، وتبقى الحادثة الفظيعة التي حدثت عام 1911 حينما احترق مصنع للنسيج يضم مئات العاملات، وقضى فيه 140 عاملة وعاملاً في شكوك من أنَّ صاحب المصنع قام بنفسه بالعملية انتقاماً من المطالبات المستمرة بتصحيح الأجور، شكلت هذه الحادثة منعطفاً مهما في نيل الحقوق بعدما خرج آلاف لتشييع القتلى في مظاهرة غاضبة، ألجأت القانون الأمريكي إلى الاعتراف بحق المرأة المتساوي مع الرجل، وانتقلت إثر ذلك عدوى التغيير إلى أوروبا والاتحاد السوفييتي وإلى العالم أجمع.
النقابة كمفهوم هي «تنظيم قانوني، يتكون من أشخاص يعملون أو يمتهنون مهنة واحدة أو مهناً متقاربة أو صناعة أو حرفة مرتبطة بعضها ببعض، وهي تهدف إلى تحسين ظروف عملهم قانونيا وماديا»، في اعتقادي أنَّ المشكلات العمالية التي يعاني منها العامل أو العاملة لن تنتهي أو تسير باتجاه الحل إلا مع وجود النقابات العمالية، القانون في حقيقته مادة تخصصية لا يُدرك تفاصيلها الدقيقة عادةً إلا القانونيون، وعادةً ما تستخدمه الشركات لظلم الموظفين مستغلين بعض الثغرات الموجودة فيه، وجود جهة قانونية يلجأ لها العامل وتقوم بدور المطالبة بحقوقه والسعي في إقناع المشرِّع بأهمية إضافة أو حذف مواد تضر بالمصلحة العامة أمر مهم ويُسهم في تطوير القانون وزيادة فاعليته.
بريطانيا كان لها قصب السبق في الاعتراف بالنقابات عام 1871 حمايةً للعمال، بعد تغلغل الفكر الرأسمالي في دول أوروبا، النقابات العمالية حينها كانت تهدف إلى إيقاف المد الرأسمالي الذي لا يكترث عادةً بالعمال ولا بحقوقهم، في هذا السياق أعتقد أنَّ أصحاب الأموال ميَّالون في الغالب إلى هذا الفكر القائم على البحث عن الربح حتى وإن كان على حساب الآخرين وحقوقهم، وليس من المتوقع منهم إلا التلاعب بالقوانين والبحث عن ذرائع لذلك، أن يكون العامل لوحده في مقابل جهة أقوى منه بكثير، يعني باختصار أنَّه سيفشل فشلاً ذريعاً في نيل حقوقه، لذا فالنقابة هي وحدها القادرة بما تمتلكه من قدرة واطلاع قانوني على حمايته وتشكيل جبهة ممانعة ضد الجهات العابثة بالقانون.
اليوم العالمي للمرأة هو يوم مهم في تاريخ البشرية، لأنه استطاع في جزءٍ منه إنقاذ النساء عموماً من ظلم أصحاب المال في العالم، هذا اليوم العظيم، منجزاته لم تتحقق إلا حينما تشكلت النقابات العمالية وبدأت بالفعل في الوقوف ضد العبثية الرأسمالية وانتهاكها الصارخ لحقوق المرأة، وفي اعتقادي أنَّ الرأسمالية فطرة موجودة لدى كثيرين ولا يستطيع أن يكبحها ويوقف خطرها على المجتمعات إلا هذا الأمر، أما دون ذلك فتبدو الكفة واضحة لصالح الشركات وأصحابها والضحية حينها سيكون بالتأكيد هو العامل.













