الجودة لا تُكلِّف شيئاً
يعود تاريخ علم الجودة إلى أوائل أربعينيات القرن الماضي حينما طرح مؤسسه الدكتور ويليام إدواردز ديمنغ، نظريته «دائرة ديمنغ»، التي بناها على أربعة محاور «خطِّط - نفِّذ - افحص - باشر»، ونادى بها وسيلةً لتحسين الجودة، حينها لم يكترث الأمريكيون بها بينما التقطها اليابانيون بعد الحرب العالمية الثانية لمساعدتهم في تحسين الإنتاجية والجودة، فكان أن أسهم بنظريته العظيمة وعبقريته في صناعة «الصناعة اليابانية» بجودة عالية، ما جعل اليابانيين يطلقون عليه لقب «أبو الجودة اليابانية»، وابتكروا جائزةً باسمه. ديمنغ لم يقدم تعريفاً دقيقاً للجودة، ولكنه ربطها بمتطلبات المستهلك، حينما ذكر أنَّ: «درجة الجودة والقدرة على تقييمها لا يمكن تحديدها في كل الأحوال نظراً لارتباطها الأساسي برغبات المستهلك ومتطلباته في المقام الأول».
يبدأ تقدم أي كيان، ومن أي نوع، حينما تدرك قياداته أنَّ الجودة هي من أهم عناصر بناء المنظمة الناجحة. الإدراك يعني المبادرة إلى وضع مواصفات ومقاييس قابلة للتحقق، وصناعة نظام رقابي على تنفيذ هذه المواصفات، والرقابة عليها باستمرار، في هذا السياق غالباً ما ينصرف ذهن القارئ إلى ارتباط الجودة بالصناعة فقط، في حين أنَّ مصطلح الجودة يتجاوز ذلك ليرتبط حتى بالأنشطة الخدمية، الصحة، التعليم، نظام المرور والبلديات، وغيرها، وإذا ما أردنا بالفعل إعادة هيكلتها بحيث تواكب مستويات عالمية متقدمة، لا ينبغي لنا أكثر من أن نضع، أو نستورد معايير الجودة، ونطبِّقها بالشكل المتناسب مع المجتمع، هذه العملية لا تكلِّف أي منظمة شيئاً. الجودة في حقيقتها ليست لها تكلفة، بل ربما هي أداة حقيقية لتقليل التكاليف، فحينما نتحدث مثلاً عن ثمانين ألف قتيل، ومليارات هائلة من خسائر حوادث السيارات خلال عشرين سنة سابقة في المملكة، نُدرك أنَّ حل هذه المشكلة هو في أساسه من خلال مواصفات ومقاييس الطرق، وأنظمة المرور، بمعنى أنَّ كل طريق وقبل أن يُفتتح، ينبغي أن يكون باتساع معيَّن، وبدرجة معيَّنة من جودة الإسفلت، وتوضع فيه كاميرات الرقابة على السرعة بعدد يخضع إلى معادلة رياضية دقيقة، هذه المواصفات، وغيرها لن تجعل أحداً إلا ما ندر، يخالف القانون، وسنحصل بلاشك على درجة عالية من الأمان. ولنأخذ التعليم مثالاً آخر، حينما يُعلَم سابقاً أن لدى الطفل قدرة على تعلم ست لغات بوصفها «لغات أُمٍّ»، ولديه قدرة على تعلم كمٍّ هائل من المعادلات المنطقية، وكثيرٍ من الفنون، نُدرك أنَّ إعادة بناء التعليم، يجب أن تتضمن في المراحل التمهيدية، وعلى أقل تقدير تعلم لغتين أساسيتين، عدا لغته العربية، ومناهج الكمبيوتر، والفنون الأخرى، والأخلاق، كل ذلك سيجعل هذا الطفل عنصراً مجتمعياً مبدعاً وناجحاً، ولديه القدرة على تمييز دعاة التطرف والإرهاب، وتجنُّبهم بما ينعكس بالتأكيد إيجاباً على الوطن وأمنه وتقدمه. هذه الأمثلة، وغيرها لا نحتاج لكي تتبلور على أرض الواقع إلا إلى إدراك حقيقي لمعنى كلمة «جودة»، وأهمية البحث عن معايير عالية للحصول على منتج نهائي عظيم، سواء كان صناعياً، أو خدمياً. وفي تصوري أنَّ أي مجتمع لا يدرك معنى الجودة، سيبقى دائماً يسير على غير هدى، بينما الأَوْلى الاعتراف بوجود نقاط ضعف أساسها المواصفات والمقاييس والرقابة الفاعلة على تنفيذها، وليس الحل إلا بالمبادرة لإيجاد كل ذلك.
يرتبط مفهوم الجودة بكافة مفاصل أي كيان: تجاري، أو سياسي، أو حتى خدمي، ومن خلاله يمكن الوصول إلى درجات عالية من التقدم. في كرة القدم يقولون: إنَّ خير وسيلة للدفاع هي الهجوم. ويصح كما أعتقد أن نقول في التنمية: إنَّ خير وسيلة للبناء هي الجودة. ليست الجودة هنا إلا مجموعة من المعايير التي من شأنها الوصول إلى الهدف بأقل تكلفة، وبأدق نتيجة، أما دون ذلك فيعني بالتأكيد الفساد، والتأخر، والهدر الكبير للطاقات والموارد المالية.













