آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 3:34 م

لقيادات الشابة والتغيير

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

في أول يومِ عملٍ لي بعد التخرج مباشرةً، وحينما كان الحماس والرغبة يَمْلَآنِني لأكون موظفاً جيداً ومتميزاً، وفي بادرة جميلة من زميل مخضرم لي في العمل، قدَّم لي نصيحة لم تزل عالقة في ذهني، وأعتقد أنها تمثل قاعدة، يعمل بها كثيرٌ من المخضرمين، النصيحة هي: «إذا طلب منك المدير عملاً يستغرق عشر دقائق فقل له إن العمل يحتاج إلى ساعتين، وإذا طلب منك عملاً يستغرق ساعتين، فقل له إنه يحتاج إلى ثلاثة أيام». هذه النصيحة الذهبية هي بلاشك قاعدة، يسير عليها هذا المخضرم، وأراد من خلالها لي، وفي بداية حياتي الوظيفية، أن أمتلك الأدوات المناسبة للتعامل مع الإدارة، بحيث أتملص دائماً من إنهاء العمل في الوقت المناسب، وأستغل كثيراً من وقتي في التسكع على مكاتب الزملاء، وتضييع الوقت، بحيث أبتعد عن أي توتر، أو ضغط عمل. بطبيعة الحال، إنَّ هذا المخضرم نجح، وخلال سنوات طويلة، في تطبيق نظريته، وإلا لما كان نصح بها أحداً، أما السبب في نجاحه، فهو كما أعتقد، أنَّ إدارته لا تملك معرفة حقيقية بالوقت، الذي تحتاجه كل مهمة لإتمامها، وربما لا تملك حتى معايير للجودة، وبالنتيجة فإنَّها لا تحاسبه، ولا تسائله انطلاقاً من قناعتها بأنه يفعل الصواب، ولو كان لديها الإدراك لما كان هناك هدر للوقت، وتملص من أداء العمل، ويبقى الشاهد أنَّ هذا المخضرم هو واحد من آلاف المخضرمين المتخصصين في تعليم التسيُّب والإهمال لأي موظف جديد، بحيث يُسهمون بعد فترة قد لا تكون طويلة في تحويله إلى مخضرم مثلهم، يسهم في إفساد المنظمات المختلفة.

في الأسبوع الفائت، كان حديث الناس هو عن التعيينات الأخيرة للوزيرات الشابات في جارتنا الإمارات، هذه التعيينات واجهها بعضهم بالإعجاب، وبأنها بادرة تستحق الاستنساخ بينما شكَّك بعضهم الآخر في فاعليتها انطلاقاً من أنَّ الحقائب الوزارية تتطلب درجات علمية عالية، وخبرات مهنية كبيرة، وهذا ما لا يتوفر عادةً في القيادات الشابة، وما بين هذين الرأيين، تفاوتت كثيرٌ من الآراء بين مؤيدٍ وممانع. شخصياً أميل إلى الرأي الذي أثنى على هذه البادرة، وأعتقد أنها بالفعل بادرة شجاعة، ومن شأنها خلق تغيير وتأثير اجتماعي كبيرين، السبب في ذلك هو أنَّ الشاب المتفوق الذكي، الذي يملك تعليماً عالياً، وفي أماكن تُربي الإنسان ليكون إنساناً أول الأمر قبل أن يكون عالماً، يستطيع بحماسه وإقباله على العمل، أن يشكِّل فرقاً كبيراً في أي منظمة. أعي أنَّ الإدارة تحتاج إلى خبرة ولا أنفي أهميتها بالتأكيد، ولكن لا ينبغي تجاهل أنَّ القيادات الإدارية كبيرة السن قد تكون في أحيانٍ كثيرة فقدت حماس التغيير، وأنهكها العمل بحيث رضخت ولو بنسبة ما إلى التخلف، أو الفساد الإداري المستشري، وقبلت به بصفته أمراً واقعاً. القيادات الشابة تملك وهج الإبداع، وحماس التغيير، وتستطيع كما أعتقد تشكيل فرق في فترات ليست بالطويلة نتيجة لعدم تلوثها بمقدار زمني طويل بالعناصر الفاسدة، ونتيجة أيضاً لإصرارها على إثبات الوجود.

في اعتقادي أنَّ تهيئة الشباب المتعلم، الذين تمتلئ بهم بلادنا العربية إجمالاً، لتقلد مناصب عالية ربما يُسهم في تغيير الصورة النمطية لكثير من المنظات الحكومية والخاصة. لا أُقدِّم المتعلم بديلاً عن الخبير، ولكني أعتقد أنَّ منح المتعلم الموهوب والمتميز قدراً كافياً من التدريب ربما يجعله بعد فترة ليست بالطويلة عنصراً قادراً على الإبداع والتغيير. الأيام المقبلة لا أشك أنها ستحمل مزيداً من النجاح للوزيرات الشابات في الإمارات، وبذلك ستكون هذه التجربة خير دليل على أنَّ الشاب المبدع المتعلم سيكون خير مَنْ يقود النهضة في بلادنا العربية، هذا رهان لا أشك في أنَّ الأيام المقبلة ستثبت صدقه.