التدريب.. الحلقة المفقودة
أحد الجوانب المهمة التي تفتقد إليها نسبة ليست بالقليلة من القيادات الإدارية في الشركات، هو إدراك أهمية التدريب والتأهيل. الحديث عن هذا الجانب هو مناقشة لتبرير مهم، تعتبره كثير من الشركات مانعاً رئيسياً لتوظيف المواطنين، وهو الكفاءة والمهارة. مَنْ يكرر هذا الادعاء يستند على حجة عدم قدرة المراكز التعليمية المختلفة في المملكة من جامعات ومعاهد مهنية وغيرها على توفير موظفين بالمواصفات المطلوبة، وبالنتيجة تبدو الذريعة المعلنة هي عدم قدرة هؤلاء السعوديين على تقديم ما هو مفيد للشركات، ولن يشكل وجودهم حين انضمامهم إلا عبئاً مادياً فقط.
بطبيعة الحال، يُعد تجريد القطاع الخاص من أي منطق في دعواهم بعدم مهارة وكفاءة السعودي للتوطين الحقيقي إجحافاً في حقهم، غير أنَّهم كذلك يدركون في المقابل أن نسبة ليست بالقليلة من العمالة الوافدة ليست كذلك على مستوى جيد من الكفاءة. ما يجري عادةً حين انضمام هؤلاء إلى الشركات هو عناية أبناء جلدتهم بهم من ناحية التدريب، والتأهيل، والتعامي عن أخطائهم، وإبراز جوانبهم الحسنة، بحيث تكون النتيجة هي ظهورهم بمظهر المهرة، والمتميزين، فيما الحقيقة هي عكس ذلك، أما المواطن فهو عادةً لا يلاقي من التدريب، والتأهيل من زملائه الأجانب ما يجعله يتقدم، ويرتقي بمستواه، كما أنه كذلك لا يُمنح من إدارة الشركة تدريباً كافياً لتأهيله للوظيفة، وبالنتيجة فإنَّ سوء الكفاءة والمهارة، هو أمر طبيعي، تتسبب به عدة أطراف أحدها إدارات الشركات.
تنص المادة الثانية والأربعون من نظام العمل على ما يلي: «على كل صاحب عمل إعداد عماله السعوديين، وتحسين مستواهم في الأعمال الفنية، والإدارية، والمهنية، وغيرها، بهدف إحلالهم تدريجياً في الأعمال التي يقوم بها غير السعوديين. وعليه أن يعد سجلاً يقيِّد فيه أسماء السعوديين الذين أحلهم محل غير السعوديين، بحسب الشروط، والقواعد التي تحددها اللائحة». هذه المادة صريحة وواضحة على أنَّ صاحب العمل ليس مخيَّراً في عملية التدريب والتأهيل لموظفيه السعوديين، وفي عملية إحلالهم محل غيرهم من الجنسيات الأخرى، لذا فالحديث عن الكفاءة لن يكون سبباً مقنعاً في عدم التوطين، لأن التدريب، والتأهيل حسب القانون العمالي، هو من مسؤوليات صاحب العمل.
من المهم الإشارة هنا إلى مفارقة غريبة موجودة لدى كثير من الشركات، وهي السعودة الوهمية، والتكلفة التي ليس لها عائد على الشركات. مَنْ يمنح موظفاً، يجلس في بيته 3000 ريال، يستطيع لو أراد منح هذا الموظف، وبأقل من هذه التكلفة، تدريباً، وتأهيلاً لفترة معينة قبل أن ينضم إلى الطاقم الحقيقي للموظفين.
ما عساها تكون هذه الكفاءة والمهارة الخارقة، التي يستطيع غير السعودي الوصول إليها فيما لا يستطيع أن يتحصلها المواطن؟! بعضهم يقول إن إدارات الشركات لا تريد أن تدرِّب سعودياً، فينتقل بعدها إلى شركة أخرى، وتخسر تكلفة التدريب. هذا العذر كما أراه أقبح من الذنب، وذلك لأن نظام العمل ألزم كلا الطرفين المتعاقدين بإتمام العقد، لذا فالنظام كفل الحماية لهما تماماً، ومن جانبٍ آخر، وفي نقطة أجد من الأهمية بمكان أن تكون لدى أي صاحب عمل سعودي، وهي أن يمتلك مقداراً من الوطنية، يجعله بالحد الأدنى يدرك أن تأهيل مواطن، سواء عمل معه، أو مع غيره، هو خدمة للوطن قبل شيء. الدولة منحت أصحاب المال كثيراً من المميزات، التي تستحق توفر مقدار من الوطنية لديهم، وتجعل تأهيل وتدريب مواطن هدفاً سامياً لهم قبل أن يكون هدفاً تجارياً صرفاً.
الحديث عن أي مخالفة هو حديث وعظي، ولا يشكل فائدة تذكر. ما أتمناه وربما يشاركني كثير من المواطنين في ذلك، هو أن نرى حملات تفتيشية من مكتب العمل للتأكد من تنفيذ الشركات المادة 42 المتعلقة بالتدريب والإحلال للسعوديين مكان غيرهم، أما الصمت فلن يجعل صاحب العمل يشعر بأي دافع حقيقي لتنفيذ هذه المادة، وتدريب وتأهيل أحدهم.













