آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 3:34 م

الوهميون والأمان الوظيفي

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

خلال تدشينه موقع «#مستشارك_العمالي»، صرَّح وزير العمل الدكتور مفرج الحقباني في 18 يناير الجاري «بأن المادة 77 من نظام العمل لن تلغي حقاً كان موجودا، وهي فقط نظمت هذه العلاقة بين العامل وصاحب العمل، والوزارة من خلال هذه المادة تراقب سير عمل التوظيف، ولن تسمح للشركات تحت مظلة 77 أو غيرها أن تمارس الفصل للسعوديين دون وجه حق»، هذا التصريح نقلته معظم الصحف السعودية وأصبح حديث الموظفين السعوديين في برامج التواصل الاجتماعي الأسبوع الفائت، ذلك أنَّ ما يُفهم منه هو أنَّ فصل الموظف السعودي دون سبب هو مخالفة لا يسمح بها النظام ما يعني أنَّه يُلغي بالقوة قرار الفصل التعسفي ويُعيد الموظف إلى عمله، في حين تنص المادة 77 على أنَّ الذي تُلزم به الشركة التي تفصل موظفاً فصلاً تعسفياً هو تعويض مالي محدد دون ارجاعه إلى العمل، وبالتالي فهناك تناقض بين الرأيين ويستدعي بالحد الأدنى تصحيح هذه المادة لتكون أكثر صراحة بأنَّ الموظف السعودي المفصول تعسفياً له الخيار في قبول التعويض المالي والخروج من الشركة، أو أن يُعاد إلى العمل، تصريح وزير العمل تضمَّن كذلك تحويل القضايا العمالية قريبا إلى وزارة العدل، وهذا بالتأكيد سيزيد من دقة الأحكام في ظل وجود قضاة أكثر تخصصاً وعلى درجة عالية من الكفاءة.

المادة 74 من نظام العمل هي كذلك مادة تستغلها الشركات في إنهاء خدمات الموظفين السعوديين، البند الخامس منها ينص على «ينتهي عقد العمل في أي من الأحوال الآتية، 5 - القوة القاهرة»، القوة القاهرة هنا وحسب ما يتناقله قانونيون هي وصول خسائر الشركة إلى مقدار يُنذر بإغلاقها تماماً، كوصول نسبة الخسائر إلى 50% من رأسمال الشركة، الإشكال المطروح على هذا البند هو أولوية من تُنهى خدماتهم، بمعنى؛ هل للسعودي أولوية في العمل أو يتساوى مع غيره من الجنسيات الأخرى، الذي يجري هو أنَّ هذه المادة يمكن أن تُستغل لإنهاء خدمات السعوديين على حساب غيرهم، السبب الظاهر هي تكلفتهم بينما السبب الأقرب إلى الدقة أحياناً هي ميل إدارات الشركات غير السعودية إلى بني جلدتها على حساب المواطن، يُساعد في ذلك أنَّ نسبة السعودة المطلوبة على الشركات ليس لها علاقة بالأجور، وبالنتيجة فإنَّ أي سعودي ذي دخل جيد نسبياً سيكون مهددا بالإقالة وستكون شريحة السعوديين الأكثر أماناً هي شريحة السعودة الوهمية فقط، فهي شريحة لا تتجاوز رواتبها في الغالب 3500 ريال وتُحقق للشركة نسبة التوطين المطلوبة من وزارة العمل.

في اعتقادي أنَّ المواطن ينبغي أن تكون له الأولوية في الاستمرار في عمله حينما تكون هناك قوة قاهرة تستدعي التسريح، ولكنني لا أقف موقف المطالب بتشريع قانوني يُلزم بذلك وإن كنت أرى لمن يطالب به وجاهة ومنطقاً، الحل كما أراه هو من خلال اعتماد نسبة التوطين على مجموعة من الأسس التي من أهمها الأجور والوظيفة وليس العدد فقط، بمعنى أنَّ فرض نسبة أجور محددة للسعوديين بالنسبة لإجمالي أجور موظفي الشركة بالإضافة إلى نسبة توطين معينة لكل وظيفة سيجعل الشريحة المستهدفة بالتوظيف والاستدامة في العمل هي شريحة الأجور الجيدة والوظائف في الدرجات المتوسطة والعالية، وبالنتيجة سيحقق للشريحة المستهدفة حالياً بالتسريح مستويات أعلى من الأمان الوظيفي، إحصائية الربع الأخير من العام الفائت لمؤسسة التأمينات الاجتماعية أشارت إلى أنَّ عدد السعوديين الذين تتفاوت رواتبهم من 3000 إلى 5000 هو 1.197.000 بنسبة تبلغ 73.4% من موظفي هذه الفئة، وهذه دلالة على أنَّ الشركات تستهدف الموظفين السعوديين الأقل تكلفةً في التوظيف، وربما كانت نسبة عالية منهم هي سعودة وهمية، وما لم يكن هناك تغيير في حساب هذه النسبة فسيبقى القانون يدعم استمرار الموظفين السعوديين الوهميين ويحقق لهم الأمان الوظيفي على حساب الآخرين، فيما هؤلاء الوهميون الآمنون هم من الأساس بطالة مقنعة ويُسهمون استناداً على القانون في تفويت فرصة استمرار الموظفين الحقيقيين في شركاتهم وبالنتيجة زيادة البطالة يوماً بعد يوم.