آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 3:34 م

خصوصية المجتمع

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

إحدى التعقيبات اللافتة على مقالي الفائت «الرجل الذي صنع ماليزيا» ما أرسله لي أحد القرَّاء الأعزاء من أن لكل بلد خصوصيات لا تسمح له بتطبيق أي نموذج اقتصادي عليه، فلربما ما كان ناجحاً في بلدٍ ما لا يكون ناجحاً في آخر، مثلما هو الدواء أحياناً، فهناك من يتفاعل معه إيجاباً وهناك من يشكل له أعراضاً جانبية قد تودي بحياته، هذا التعقيب أجده لافتاً جداً ويستحق الحديث حوله، ذلك أن هناك شريحة ليست قليلة من المجتمع تكرر دائما كلمة «خصوصيات المجتمع» لتبرير عدم الاستفادة من أي نموذج اقتصادي متقدم لا يتنافى مع دين الله، وبالنتيجة تشكل جبهة ممانعة ضد الاستفادة منه.

في اعتقادي أن كلمة «خصوصية المجتمع» في سياق تبرير أن الشعب السعودي لا ينبغي له العمل في أي مهنة هي بدعة مُحدثة عادة ما تستخدم كأداة لتخدير المجتمع ونشر روح الكسل فيه، ما أعتقده هو أن «خصوصية المجتمع» السعودي هي العمل في كافة المهن كغيره من المجتمعات وليس العكس، قبل خمسين أو ستين سنة وأكثر; من هو الحداد؟، من هو الخباز والصياد والمزارع والصناعي وغيرهم؟ كل هؤلاء كانوا من أبناء البلد، لماذا الآن والآن فقط نجد من يحاول الحديث عن مجتمعنا وكأنما هو مختلف عن بقية خلق الله؟!.

كل المجتمعات الإنسانية تتكون من خليط متكامل من المهن، هناك طبيب ومهندس، وهناك أيضا سباك وحداد، هناك عامل نظافة وهناك عالم ذرة وفيزياء، لا يوجد شيء اسمه «خصوصية» تمنع إنسانا من عمل شريف لا ينهى عنه الشرع، في زمنٍ مضى كان الناس يعملون في كافة المهن وبلا استثناء، لم يكن يعرف بُناة هذا البلد شيئاً اسمه «خصوصية مجتمع»، الذي يجري الآن أن هناك ما يشبه الحملة الإعلامية المنظمة لتأسيس قناعات غير صحيحة في أذهان الناس من أن هناك مهنا خاصة بالسعوديين وأخرى لغيرهم، هذا الكلام أجده كارثياً على أي مجتمع، لأنه يؤسس في المواطن ازدراء بعض الأعمال وازدراء أصحابها وبالنتيجة يُكوِّن حاجزاً نفسياً يمنع المواطنين من العمل بها.

مشروع التحول الصناعي في المملكة وانعكاس ذلك على المواطنين يتطلب في جزءٍ منه تأسيس معاهد مهنية وتدريبية ذات اتصال مباشر بالقيادات الصناعية للتنسيق حول ما ينبغي توفره من مهارات وكفاءات في الطالب، السبب في هذا الطرح أن هناك عشرة ملايين مقيم غير سعودي تقريباً، تعمل نسبة كبيرة منهم في وظائف فنية، هذا يعني أن هناك ملايين الفرص الوظيفية التي لا نملك من الأيدي العاملة الوطنية من يستطيع شغرها، وبالنتيجة فإنَّ الحديث عن البطالة بشكل مطلق غير صحيح، المواطن يستطيع العمل في كل المهن وما علينا لكي نرى ذلك إلا تهيئته علمياً ومهارياً للعمل وقبل ذلك نفسياً بحيث لا يجد حرجاً في العمل المهني.

في زيارتي لألمانيا وجدت أن سائق التاكسي ألماني، الطباخ في الفندق وموظفو الاستقبال وعمال الشنط والصيانة ألمان، وهذا هو الحال في جميع البلاد المتقدمة، لماذا نحن، ونحن فقط من يستخدم كلمة «خصوصية مجتمعنا» لمنع شخص من عمل شريف؟!، نعم يظهر في هذا السياق استفهام مهم حول المحفزات المنطقية لدفع المواطن للعمل المهني، فالحديث عن ألمانيا هو حديث عن تأمين لضروريات الحياة الأساسية من صحة وسكن وحد أدنى للراتب، وهنا أتفق بالتأكيد مع من يقول إن رفع الحد الأدنى للأجور ومعالجة مشكلة السكن هي من أهم الأمور التي تساعد المواطن على تجاوز الأسباب المثبطة له في العمل المهني، ويبقى كل هذا الحديث مرهونا - إذا ما تحقق - بمدى قدرة وزارة العمل على وضع ضوابط منطقية ومشجعة تدفع أصحاب المال لتوظيف السعوديين بالأجور المقبولة وضمن ظروف جيدة.