الرجل الذي صنع ماليزيا
نموذج ماليزيا في التحول من بلد فقير تصل فيه البطالة إلى 60 %، ويعتمد فقط على تصدير القليل من المنتجات الزراعية إلى بلد يسابق الزمن في التقدم والنمو، هو نموذج لافت ويستحق كما أظن التأمل فيه، الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا عام 1981 الذي درس الطب في سنغافورا ثم الشؤون الدولية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1967، هو الشخصية الأبرز في بناء ثورة ماليزيا الاقتصادية ويناسب أن يُوصف بالأب الروحي والمُنَظِّر الحقيقي للاقتصاد الماليزي، هذا الرجل أيقن قبل كُلِّ شيء أنَّ المورد الاقتصادي الأهم لبناء ماليزيا ليس النفط أو الغاز أو أي كنز أو مورد طبيعي يقبع في أراضيه، المورد الأهم هو «الإنسان الماليزي»، وهناك بالتأكيد فرق بين «الإنسان» ككلمة عامة وبين «الإنسان الماليزي»، الكلمة الأشهر لمهاتير في هذا السياق هي تلك التي خاطب بها شعبه محفزاً لهم للعمل وقال «أفضل ثروة في أي دولة؛ هي شعبه»، من هنا حمل على عاتقه المزاوجة بين أمرين أساسيين، الأول التعليم، والآخر هو الصناعة.
الأُسس الثلاث التي انطلق منها مهاتير في بناء بلد متقدم هي: تطهير البلاد من الفساد، رفع الكفاءة وَالتحلي بالأمانة، هذه الأسس هي بالتأكيد منطقية، فالحديث عن التعليم والصناعة مع وجود فساد تعني في جزءٍ ما أنَّ التعليم مؤسسة لا تُريد أن تكترث بما يريده سوق العمل، وأنَّ الصناعيين لا يريدون بالنتيجة أن يمتثلوا للقوانين التي تلزمهم بالتوطين لأنها تضر بمصالحهم، «صناعة الصناعة» بأيدٍ عاملةٍ ماليزية مدربة وماهرة هو الهدف الذي سعى له مهاتير، من هنا كانت الاستثمارات الصناعية الضخمة سبباً في زيادة المعروض من الوظائف وتقليل البطالة إلى حدود دنيا، نتيجة لوجود «الماليزي» القادر على شغل المعروض، وهذا ما أدى إلى الارتقاء تدريجيا بمستوى دخل الفرد السنوي ليصل إلى 9970 دولارا في عام 2009، الاستثمارات الصناعية الضخمة لوحدها لم تغير الشعب الماليزي، الصناعة ولكي تنعكس إيجاباً على الشعب ينبغي أن تستقطب مواطنيها أولاً لا مواطني جميع دول العالم باستثنائهم هم، وهذا يعني صناعة الإنسان بدءا من الحرفي والفني، مروراً بالطبيب والمهندس نهايةً بالقيادي والإداري الجيد.
توفير أرض خصبة للاستثمارات الصناعية ودخول رؤوس أموال ماليزية وخارجية، هو ما حقق صناعات ضخمة جعلت من الدكتور مهاتير لا يُخفي أمله في أن تكون ماليزيا من أفضل خمس اقتصادات عالمية بحلول العام 2020، طموح ابتدأ به عملياً من خلال صناعة الصناعة، وصناعة الإنسان الماليزي ككفاءة علمية ومهارية قادرة على الانخراط في أي وظيفة وضمن أي مستوى إداري، بعيداً عن أي تصنيف يعرقل ذلك يتعلق بالدين والعرق واللون، هكذا كانت الصناعة في بلده قادرة على اجتذاب المواطنين للعمل، وليست مجرد مصانع يرى فيها المواطن الماليزي آلاف الأجانب العاملين دون أن يستطيع حتى أن يحلم بالالتحاق بها.
نماذج النجاح العالمية في شتى المجالات تجعل الحلول متيسرة لكل باحث عن الحقيقة، النموذج الماليزي كما أعتقد أثبت أنه نموذج رائد، استطاع أن ينهض ببلد ذي تعددية عرقية ودينية وثقافية إلى مصاف الدول المتقدمة، بلد لا يتجاوز عدد سكانه 30 مليون نسمة ولا يملك أي كنوز وموارد طبيعية نفطية، ومع هذه الظروف المعقدة لم يكن الدكتور مهاتير محمد إلا مصراً على بناء ماليزيا ابتداءً بالإنسان والصناعة في خطٍّ متوازٍ واحد، وقبلهما تطهير البلاد من الفساد، ومن كل ما يؤدي إليه، بذلك جعل ماليزيا كتاباً أكاديمياً عظيماً، يستحق أن تتعلم منه الأمم كيف تصل إلى أعلى درجات التقدم والنمو.













