وطنيون مفسدون في الوطن
الوطنية أمر فطري في كل إنسان، والمعنى الحقيقي لهذا المصطلح، وبخلاف ما يظنه كثيرون، هو العمل على الارتقاء بالوطن، والوقوف ضد أي عنوان من عناوين الفساد. العمل هنا، هو سلوك، وليس مجرد شعار، يظهر من خلال عَلَم يُعلَّق فوق سطح البيت، أو رقص في العيد الوطني. هذا الحديث، وبهذا المقدار، يبدو أمراً بدهياً، الأمر البدهي الآخر، هو أنَّ كل مقيم في المملكة لا يحمل جنسيتها، سينتمي، شاء أم لم يشأ، إلى وطنه الأساسي، وستبقى وطنيته تحفزه دائماً على خدمة بلده حتى إن كان ذلك على حساب الأرض، التي يقيم عليها الآن، ومواطنيها، انطلاقاً من ذلك يمكن تفسير السلوك الأقرب إلى العدائية، والجفاء من بعض القيادات العليا غير السعودية في الشركات تجاه السعودي، وكيف تسعى، وبشكل واضح، إلى تحقيق منفعة أبناء جلدتها. النتيجة البدهية لذلك، هي أنَّ وطنية هؤلاء هي إفساد حقيقي في وطننا، الذي يقيمون فيه. لغة التعميم، هي بلا شك لغة انفعالية، وغير دقيقة، ولكن بالمقدار المتيقِّن، هناك نسبة ربما لا تكون قليلة منهم تسعى إلى ذلك على حساب المواطن السعودي.
الإداري، والمسؤول غير السعودي، سيُنهي خدمات الموظف السعودي، ويرميه في الشارع بكل صلافة، وسيكيد له بكل ما يستطيع من قوة على حساب حماية أبناء جنسيته. جملة لاذعة، ولكنها مع الأسف صحيحة في أحيانٍ كثيرة. الذريعة المستخدمة في هذا السياق، هي أنَّ السعودي «مو حق شغل»، أو كسول، وغير ذلك من التبريرات، بينما الصحيح، هو أنَّ السعودي لا يُقابَل بالتدريب، والتأهيل، والراتب اللائق مثل الموظف الأجنبي، وحينذاك ستشكِّل البيئة المثبطة له أسباباً منطقية لسوء الأداء، وبالنتيجة ستمنح الأجنبي الذريعة لما يفعله في حق المواطن. الإداري، والمسؤول غير السعودي، سيمنح نفسه الحق في أن يعتبر أن الموظفين السعوديين هم «موظفو سعودة»، يستخدمهم بصفتهم أرقاماً تدعم موقفه في وزارة العمل، والتأمينات الاجتماعية فقط، أما لماذا؟! فلأن هناك مليون ابن، وأخ، وابن عم، وجار في الشركة، أو في بلاده، ينتظرون منه خدمتهم، ولن تكون هذه الخدمة إلا على حساب المواطن السعودي. اللافت للنظر هو أنَّ وزير تعليمنا الجديد الدكتور أحمد العيسى، يظن أنَّ تنمية الإنسان، هي أمر ضروري لتنمية البلد، وهذا الأمر صحيح، ولكن ينقصه أمر آخر، أجده غاية في الأهمية، وهو أنَّ المواطن السعودي صاحب العلم والخبرة لن يكون له مكان حينما يكون رئيس الشركة هو السيد كومار، أو بابو، و» أضرابهما»، هؤلاء يا معالي الدكتور أحمد، سيرمون المواطن، الذي صرفَ عليه نظامك التعليمي الراقي كثيراً من المال والجهد، في الشارع، هؤلاء سيرمون المواطن، الذي ابتعثته إلى أفضل جامعات العالم، في الشارع، أما لماذا؟! فلأنهم باختصار أشخاص وطنيون، نعم يا معالي الوزير، هم وطنيون، ولكن على حساب وطننا، وعلى حساب كل مواطن سعودي.
قرأت بتأمل ما كتبه الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، عن الدكتور أحمد العيسى، وزير التعليم الجديد، وشعرت بسعادة بالغة، وأنا أجد شخصاً بهذه الكفاءة العالية، والثقافة، والحكمة، يحمل عبء هذه الحقيبة المهمة، ولكنني مع الأسف لست متفائلاً كثيراً بالنتائج، وذلك لأنَّ العلم الجيد، الذي سيحمله المواطن، لن يكون جوازاً، يمكِّن حامله من الحصول على عمل جيد، أو الشعور بالأمان في الشركات السعودية، والسبب الواضح لذلك، هو أنَّ الوطنيين غير السعوديين سيجعلون من حياته حياة بؤس، وظلم، وإيذاء، وسيرمون به متى ما استطاعوا في الشارع.













