آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 3:34 م

زهراء.. حينما يتعثر الحبر

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

لم أكن أتصور أن تكون خاتمة الإيمان والعطاء وحب الخير على هذا النحو المؤلم، ولكن ما الحيلة حينما يقوم «حَدَث» لا يتجاوز الثمانية عشرة من عمره وبسرعة جنونية بكسر كل القواعد والتسبب في فقد القطيف سيدة مجتمع من تلك السيدات القليلات اللاتي لا يتكررن، التي أعطت بيتها ومجتمعها كل ما تستطيع من حب وخير، فبادلها الجميع تلك المشاعر، الكلمات تقف عاجزة في أن تفي شيئاً من سيرة مليئة بالخير والبذل لهذه السيدة العظيمة، التي وقع خبر الحادث المفجع الذي أودى بحياتها وقوع الصاعقة على أفراد مجتمعها الذين آلمهم ذلك، فتسابقوا في إبداء الحزن والأسى والتأثر على هذا الفقد المفجع، كما تسابقوا على حمل جنازتها في يومٍ مشهود حزين وتشييع مهيب.

تتعثر الكلمات كثيراً لأجد نفسي متشتتاً بين القانون كمادة تشخِّص حوادث مثل هذا على أنَّها مجرد حوادث غير متعمدة وبين المنطقية التي أعتقد أنها تعني بالحد الأدنى أن لا يعامل متهور يتلاعب بأرواح الناس باعتبار ما يتسبب به من فظائع مجرد قضاء وقدر ليس لصاحبه يد في وقوعها. لا يمكن غض الطرف عن الأسباب المنطقية لهذا النوع من الحوادث التي لا أستطيع إلا أن أُسميها جرائم وبكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، نعم أنا أُصر هنا على أنَّها جرائم بحق المجتمع. الحوادث المرورية أمر وارد في كل وقت، ولكن أن يتشكل حادث من سرعة جنونية وفي منطقة مكتظة فهذا لا يمكن اعتباره البتة مجرد حادث ولا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال.

في اعتقادي أن أعظم خطر يهدد المواطنين وسيبقى كذلك هو خطر حوادث السيارات، ما أظنه حلاً لهذا التهور المستشري هو اعتبار كاميرات ساهر عنصراً أساسياً في كل طريق، أقول ذلك لأنني أعتقد أن لغة «لا تسرع فالموت أسرع» و«أن تصل متأخراً خيراً من أن لا تصل»، لغة غير مفيدة ولا تنقذ أحداً من الموت، الذي ينقذ الناس هو أن يعاقب كل متهور وبكل حزم ولا يَنْفُذْ من ذلك العقاب أي مخالف، حينذاك سيرتدعون، أما إذا تُركوا دون مخالفات وعقوبات، فسنجد أنفسنا كل يوم نفقد ألف شاب في عمر الزهور وألف وردة ندية كزهراء.

زهراء عبدالكريم أبو السعود، أُم «أنس»، وهو ابن معاق جاوز الثلاثين من عمره، وقد فقدت في وقتٍ سابق ابنتها زينب، وهي الأخرى كانت معاقة، ظروف تكفي لاستنفاذ كل وقتها في العناية بهما وبقية الأولاد، كما تكفي لاشتعال القلب بكثير من الحزن والأسى، مع ذلك تحمَّلت المسؤولية صابرة على ما قدَّره الله سبحانه وتعالى لها، وتعدت ذلك لخدمة مجتمعها والبحث والسؤال عن كل محتاج والسعي في مساعدته، وكم أذهلني ما نقلته سيدة كويتية من أن المرحومة مدَّت يدها كذلك إلى بعض المحرومين في الكويت على الرغم من اليسر النسبي لمجتمع الكويت، كل تلك الشواهد أسباب جعلت الذين يعرفونها يتسابقون إلى مجلس عزائها رجالاً ونساءً دون أن يمنعهم مانع، حتى شهد العزاء مشهدا مؤثرا لحضور رجل وامرأة مصابين بمرضٍ عضال تحملا مشقة السفر من مدينتهما البعيدة إلى القطيف مواساة في هذه المرحومة وفاجعتها المؤلمة.

زهراء، أراد لكِ الله سبحانه وتعالى حياة أهنأ من هذه الحياة، فرحلتِ وخلَّفتِ في قلوب أحبائك وكل مجتمعك الحزن والأسى، لا أذكر تفاعلاً مجتمعياً كبيراً حدث مع شخصية نسائية كالتي حظيتِ به، أجمعَ المجتمع وقليلاً ما فعل على نبل شخصكِ وسمو خلقكِ ويدكِ البيضاء، حتى بقي الناس رجالاً ونساء وبكافة الأعمار يعزون أنفسهم بمصابكِ المؤلم الحزين، رحمكِ الله يا زهراء، إنا لله وإنا إليه راجعون.