زيارة وزير
تحت عنوان «لماذا حضر خالد الفالح وزير الصحة في القطيف وغاب في أبها؟» كتب الأستاذ سعيد الوهابي مقالاً انتقد فيه وزير الصحة، الفكرة التي أراد إيصالها باختصار هي أن زيارة مستشفى قريب من منزل الوزير لن تكلفه كثير عناء، فيما الأولى أن يزور - حسب رأي الكاتب - مستشفيات بعيدة عنه كمستشفيات أبها وعرعر وجيزان وغيرها، ليثبت أُبوته واهتمامه بكافة قطاعات كيانه الكبير وفي كافة مدن المملكة وهِجرها دون فرق، مورد الاختلاف معه هو أنني لا أرى أن هذه الزيارات مهمة كثيراً في ترتيب أولويات التصحيح، وزارة الصحة كغيرها من المنظمات المختلفة تحتاج لبنى أساسية للارتقاء بها، ودون هذه الأُسس ستبقى كل هذه الزيارات ذات قيمة متواضعة بالنسبة لما ينبغي تحقيقه.
من أهم الأسس لبناء المنشأة الخدمية الناجحة: القائد، الموارد البشرية والمالية، القانون، والجودة، هذه الأُسس إذا ما اختل أحدها ستبقى المنشأة متعثرة ولن تستطيع أن تقوم بأعمالها كما يجب، في هذا السياق علت كثير من الأصوات التي تتساءل عن عوامل اجتذاب الكفاءات ومدى اهتمام الوزارات المختلفة لا سيما وزارة الصحة بذلك، حينما - والكلام هنا من باب التمثيل - تحصل الكفاءات على مزايا كثيرة في القطاع الخاص تتضمن راتبًا أساسيًا منافسًا وبدل سكن ونقل وتأمينًا طبيًا للموظف وعائلته وكذا قروضاً عقارية لدى بعضهم، فهل سيكون هناك سبب منطقي واحد يدفع شخصًا لترك كل ذلك والعمل في وزارة الصحة على المرتبة السادسة براتب إجمالي ربما يقل عن نصف ما يتقاضاه في القطاع الخاص؟!، تصحيح سلم الأجور والمزايا بحيث يحقق للموظف حياة كريمة لائقة هو ما سيجعل هولاء ينضمون إليها وهذا الأمر أهم بكثير من زيارة وزير!!، والحال كذلك في القانون واللائحة المنظمة، فحينما نضع قانوناً ضابطاً ينظم العلاقات ويحفظ الحقوق ويعاقب المخالفين دون محاباة، ويكون هذا القانون للتطبيق وليس للتأمل فيه، ستكون النتيجة هي الانضباط بنسبة كبيرة وهذا الآخر هو أهم من زيارة وزير!!، حينما تكون هناك معايير دقيقة للتقييم وآليات للتظلم، بحيث تختلف قيمة المبدع ومكافآته عن المتسيب نهاية كل عام سيكون هناك دافع للإبداع وهذا أهم من زيارة وزير!!، حينما نعلم أن معدل «السعة السريرية» أقل من المعدل العالمي نُدرك بالتأكيد أن مواعيد المرضى ستكون بعيدة بمدة ربما تكون كافية لمضاعفة الأمراض عليهم، والتصحيح سيكون بزيادة عدد المستشفيات وكفاءتها وليس بزيارة وزير، وأخيراً وليس آخراً حينما تكون هناك إدارة للجودة والمواصفات والمقاييس بحيث تقوم وبشكل مستمر بإعادة تقييم وتغيير أو صيانة ما ينبغي تغييره وصيانته، سنجد بالتأكيد مستشفيات لا تختلف كثيراً بين اليوم الأول لافتتاحها وبين عشرات السنوات التالية، وهذا بلا شك أهم من زيارة وزير!!.
تأكيد الكاتب سعيد الوهابي على ضرورة زيارة الوزير خالد الفالح لمستشفيات واقعة في مناطق بعيدة ونائية ربما يكون له قيمته وأهميته، ولكنني أرى أن صناعة الأسباب العلمية التي تجعل وزارة الصحة وكافة مستشفيات المملكة بالمواصفات العالمية المطلوبة في جميع نواحيها هو الأمر الأهم، ودون عمل ذلك فلربما سيتعامل المخالفون مع زيارة الوزير مثلما يتعامل المتهورون مع كاميرات ساهر، بحيث يلتزمون بالسرعة القانونية حال الاقتراب منها فقط ويحطمون كافة الأرقام القياسية الموجودة في «موسوعة جينس» في التهور والسرعة بعد تجاوز هذه الكاميرات مباشرةً.













