آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 12:32 م

التحريض بين التصريح والكناية

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

أتفقْ مع وجهة النظر القائلة بأن «إلقام» الناس التطرف يكون عادة من خلال تصوير أن المذهب هو الدين، بحيث يُعتبر المخالف في المذهب مخالفاً للدين، وبالنتيجة يُعدُّ مشركاً، أو كافراً، أو مارقاً، ينبغي بغضه، أو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بارتداء حزام ناسف تحت عباءة نسائية، والتفجير في مسجده. أما الآيات الكريمة التي يتلوها على مَنْ يلوذ بمنبره، أو حسابه التواصلي، فهي آيات الحرب، أو آيات يحرِّف معناها، ويُبعدها عن سياقها الاستثنائي، ويدعي أنها هي الوضع الطبيعي للتعامل مع مَنْ يدعي أنهم مشركون، فيتلوا عليهم مثلاً الآية الكريمة «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» ولا يتلوا عليهم ما ينبغي أن يكون في الوضع الطبيعي كقوله تعالى «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم».

في تصوري أن الإرهابيين، الذين يفجِّرون أنفسهم في المساجد، ويقتلون المصلين المتوجهين إلى الله سبحانه وتعالى، ليسوا أسوأ حلقات السلسلة، التي ينتمون إليها، الأسوأ منهم هو الذي يغرِّر بهم، ويكذب عليهم، وينقل لهم الدين بطريقة تجعلهم يباركون لبعضهم أي عملية قتل للآمنين العزل، أو بالحد الأدنى، يجعل مشاعرهم الداخلية لا تتحرك لرفض هذا التصرف، لأنه وقع في «الرافضة»، والمشركين، الذين لا حرمة لدمائهم، ولا كرامة.

التحريض، كعنوانٍ كبيرٍ، لا يعني أن يقول شخص لآخر» اذهب، واقتل الناس». التحريض يكفي لكي يتحقق أن يضع شخص عنواناً كبيراً اسمه «جواز قتل فلان أو الإساءة إليه وإظهار الكره له»، ثم يسعى ليل نهار إلى تعريف «فلان» للناس، بحيث حينما يُطرح في مجلسٍ ما حديث حول مَنْ ينبغي تطهيرهم عرقياً، أو دينياً، أو مَنْ ينبغي كرههم، ينصرف ذهن الجميع، بمَنْ فيهم الأطفال، إلى الجماعة الفلانية.

أربعة شبان في عمر الزهور، أنقذوا حياة مئات المصلين في مسجد الإمام الحسين، رضي الله عنه، في حي العنود بالدمام، بعد أن قدَّموا حياتهم فداءً لذلك. هؤلاء الجنود العظماء شيَّعهم طوفان من مئات الآلاف من المواطنين في سيهات الأربعاء الفائت عرفاناً أولاً بالتضحية العظيمة التي قدموها، وثانياً تأكيداً على أن المجرم الحقيقي، بالإضافة إلى القاتل، هو كل مُحرِّض كان، ومازال يروِّج لاستعداء الشيعة، وكرههم، وإظهار الاشمئزاز منهم، كمرحلة إيمانية تتصاعد تدريجياً لتصل في أشدها إلى قتل المخالفين له في المذهب.

ثلاث جرائم طائفية في سبعة أشهر، أودت بحياة العشرات، والمجرمون مازالوا يتمنون فتنة طائفية، يلعن من خلالها الشيعة السُّنَّة، أو العكس، ولكن ذلك لم يحصل، فما جرى هو أن الشيعة صاروا أكثر ازدحاماً في المساجد، وأكثر إدراكاً أن هؤلاء يستهدفون المواطنين بكافة طوائفهم، وإن كان الشيعة هم المستهدفون في الوقت الراهن. هذا النوع من التلاحم سيجعل أعداء الوطن أكثر حزناً في حياتهم بسبب فشلهم المتكرر في نيل أهدافهم، وسيصلى إرهابيوهم غداً بين يدي الله ناراً وقودها أشد، وأكبر بكثير من نار قلوبهم السوداء الحاقدة المريضة والمملوءة بالشر.

اسأل الله الأمن لهذه البلاد، والدعاء للشهداء بالرحمة، ولذويهم بالصبر والسلوان.