خبراء المستقبل
الاعتماد المطلق على النفط يشبه كما أعتقد اعتماد شخص على مال قد ورثه ولم يزل ينفق منه ليجد نفسه يوماً دون مالٍ وبلا مصدر دخل، الحديث عن الصناعة كبديل أو كشريك حالي للنفط في صناعة اقتصاد متنوع هو حديث مهم وطالما تناوله كثيرون بالطرح، ليس لأن أسعار النفط منخفضة في الوقت الراهن، ولا لأن سنوات أجله لا تبدو طويلة، بل لأن الاعتماد على عنصر واحد ذي عائد جيد لا يعني بالضرورة استمرار أهميته وجدواه الاقتصادية بنفس المستوى إلى الأبد، من هنا فلا أتصور أننا مخيرون في النحو منحى الصناعة لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
الصناعة بأشكالها الكثيرة متفاوتة من حيث الجدوى والعائد، العنصر الأهم هنا لوجود الطلب هو أهمية هذه السلعة للمستهلك، في هذا السياق نجد أنفسنا أمام سلسلة طويلة من هذه السلع بدءا من السيارات والطائرات مرورا بالسلع الاستهلاكية المهمة انتهاء بالكماليات، كل هذه الصناعات يقف أمام تحقيقها أحياناً شعور أن عناصر الإنتاج المهمة غير متوفرة لدينا وأهمها العلماء والخبراء والمستثمرون القادرون على تأسيسها أول الأمر، من هنا يبدو الحديث عن صناعة «الخبراء» مهماً، فدونما وجود للطاقات البشرية وتفعيل لدورها في البناء سنكون دائماً مضطرين لاستيراد كل شيء من الخارج والإنفاق من تَرِكَة النفط.
في اعتقادي أن أولى خطوات صناعة الخبراء هي «استيراد الصناعة» بكامل طاقمها أو بالأجزاء الأساسية منها إلى الداخل، «صناعة الصناعة» ممثلة في السلع الاستراتيجية الضخمة من سيارات وطائرات وغيرها تحتاج إلى بادرة لإقامة ذلك في الداخل بحيث تكون هناك خطط مستقبلية لإحلال الكفاءات الوطنية عوضاً عن الأجنبية فيها لتحويل هذه الصناعة إلى صناعة وطنية تماماً، في هذا الصدد ربما يرى بعضهم ذلك تنظيراً معقداً بعض الشيء، في اعتقادي أن المملكة كغيرها من بلدان العالم مليئة بالكفاءات العلمية التي يمكن استثمارها بشكل صحيح لتكوين نواة صناعية للمستقبل، ولعل مثال أرامكو شاهد حي لذلك، فهي شركة أمريكية ابتدأت بخبرات أجنبية خالصة، ومع مرور الزمن ودخول كفاءات وطنية إليها وتحصيل الخبرات العلمية والقيادية تمكن هؤلاء من تحويل أرامكو من شركة أمريكية إلى «أرامكو السعودية»، نفس الشيء تماماً بإمكاننا عمله في صناعة الطيارات والسيارات والإلكترونيات وكل السلع المهمة الأخرى.
إنَّ البنى الأربع لبناء المنظمة الناجحة هي: القيادة المتمكنة والموارد البشرية ذات الكفاءة، والمال والجودة، وهذه البنى نستطيع توفيرها أو توفير بعضها واستيراد الآخر للمشاركة معنا في البناء، هذه العملية هي الخطوة الأهم التي تتلوها عمليات الإحلال التدريجية للخبراء السعوديين، وبهذا نستطيع أن نغير تدريجياً اقتصادنا الوطني من اقتصاد المورد الواحد إلى اقتصاد متنوع قادر على الوقوف في كل الظروف ومواجهة أخطار تغير الجدوى الاقتصادية لبعض السلع.
في عالمنا هذا تبدو سلسلة التجارب الصناعية الناجحة في دول العالم المتقدم نماذج حية يمكن استنساخها في الداخل وإن بدت أول الأمر مكلفة بعض الشيء، فالأهم من التكاليف الأولية والصعوبات هو صناعة البنية الصناعية القادرة في المستقبل على الاعتماد على الكفاءات الوطنية السعودية لاستمرارها، والآمال هنا معلقة جداً على بادرات تقوم بها وزارتا الصناعة والتجارة من أجل تحقيق هذا الهدف، وإن شاء الله تجد كل الصناعات المهمة النور داخل المملكة ونشهد ثورة صناعية هي أحرى أن تبدأ في مثل هذا الوقت.













