آخر تحديث: 6 / 11 / 2026م - 11:50 ص

إخوة يوسف ونتفليكس

ياسر بوصالح

تتقافز في مخيلتي أسئلةٌ كثيرة كلما مررتُ ببعض الآيات الكريمة أو الروايات الشريفة، واستجابةً لما طُرح في مقالي السابق «تجاربكم وصيد خواطركم»، أرجو أن تشاركوني ما استوقفكم من تأملات، وما اصطدتموه من خواطر عند تدبّر النصوص.

أما أنا، فأود أن أشارككم كيف سرحت بي المخيلة عند التأمل في قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [1] .

فكان أول ما تبادر إلى ذهني من الأسئلة: مَن القائل؟ أو بالأحرى، مَن ذلك الذي جاهر باقتراح الجريمة وتولّى التصريح بها؟

والجواب: إنه واحدٌ من عشرة إخوة، جميعهم من ذرية نبي، وجدّهم نبي، بل إن جدّهم الأعلى كان خليلُ الله إبراهيم .

وكم يحيّرني أن يجتمع عشرةٌ على مثل هذا التفكير! فليس في زمانهم كنتاكي ولا ماكدونالدز ليؤثّرا في روحانيتهم، ولا نتفليكس ليستثير غرائزهم ويعيد تشكيل وعيهم. فما الذي أوصلهم إلى أن يتداولوا فكرة القتل بهذه السهولة؟

بل أكثر من ذلك، أتذكّر أنني سألت أحد الفضلاء يومًا.. ألسنا نستشفّ من إقدام أبناء نبي الله يعقوب على التفكير في قتل أخيهم نوعًا من الجحود بمقام أبيهم النبوي؟ إذ كيف لم يخشوا أن يُطلع الله نبيَّه على ما دبّروه، فينكشف أمرهم؟

فأجابني بما معناه.. لقد شطح بك الفكر بعيدًا، وظلمت هؤلاء المساكين، فما حملهم على ذلك لم يكن جحودًا ولا تمرّدًا على النبوّة، وإنما الغيرة الناشئة من إحساسهم بتفضيل أبيهم ليوسف ثم استشهد بقوله تعالى ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [2] ، قائلًا: إن هذه الآية تكشف أن الصلاح كان متأصّلًا في نفوسهم، لولا أن غلبتهم ثورة المشاعر وحدّة ردود الأفعال.

وهنا وجدتني أعود إلى السؤال الأول، ولكن بصيغة أخرى.. هل كان أبناء يعقوب يجهلون قبح ما هم مقبلون عليه، أم كانوا يعرفونه، لكنهم أقنعوا أنفسهم بأن ما يريدونه يمكن تداركه لاحقًا؟!

فعبارة ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ تستوقفني من هذه الزاوية؛ إذ يبدو كأن الصلاح عندهم مشروعٌ مؤجّل إلى ما بعد التخلص من يوسف !

ولعل أكثر ما يستوقفني في القصة ليس أن إخوة نبيٍّ فكّروا في قتل أخيهم فحسب، بل أن نتأمل كيف يمكن لشعورٍ بالظلم، أو رغبةٍ في الاستئثار، أن يستدرج الإنسان من مجرد العتب إلى التفكير في الجريمة، وهو لا يزال يرى لنفسه مكانًا في صف الصالحين.

فمن يدري؟ لعل أول الطريق إلى بعض خطايانا ليس كراهية الخير، بل اقتناعنا بأن لنا من المبررات ما يكفي لتجاوزه.

وعند هذه النقطة تتجاوز القصة حدود التاريخ، وتتحول من حكايةٍ عن إخوة يوسف إلى مرآةٍ للنفس الإنسانية؛ فربما لم يكن المقصود أن نقف طويلًا عند ما جرى منهم، بقدر ما نتساءل عن «إخوة يوسف» المختبئين في نفوسنا نحن.. تلك الأصوات التي تبرر، وتؤجل المراجعة، وتقنعنا بأن الخير يمكن أن ينتظر قليلًا، وأن بإمكاننا دائمًا أن نعود إلى الصلاح لاحقًا.

[1]  سورة يوسف - الآية 9

[2]  المصدر السابق
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبدالله صالح الخزعل
4 / 11 / 2026م - 5:05 م
ما أروع هذه الوقفة يا أستاذ ياسر. لقد أخذتنا من قصة يوسف عليه السلام إلى أعماق النفس الإنسانية، حيث لا يبدأ الانحراف غالبًا من حب الشر، بل من وهمٍ خادعٍ يقول لصاحبه: "ليس الآن... وسأعود إلى الصلاح لاحقًا".
وأكثر ما لامسني في المقال أنك لم تبحث عن إخوة يوسف في صفحات التاريخ، بل بحثت عنهم في زوايا القلب؛ في تلك المبررات الصغيرة التي نصنعها لأنفسنا، وفي تلك التأجيلات التي نظنها عابرة، وهي ربما تكون أول خطوة في طريقٍ لا نريده. فكم من إنسانٍ خسر نفسه لا لأنه جهل الحق، بل لأنه أقنعها أن الحق يستطيع الانتظار.
إنها قراءة تجعل القارئ يغادر الآيات وهو أقل انشغالًا بأخطاء الآخرين، وأكثر خوفًا من تلك الأصوات الخافتة داخله التي تبرر وتؤجل وتعده دائمًا بأن التوبة والصلاح ما زالا أمامه متسعٌ من الوقت. وهذا في نظري هو أجمل ما يقدمه التدبر الحقيقي: أن يهزّ القلب قبل أن يملأ العقل.