آخر تحديث: 1 / 11 / 2026م - 2:51 م

قصة كوميدية بطعم الحمية «12»

أبو علي... والميزان الذي سبقه إلى العيادة!

رضي منصور العسيف *


دخل أبو علي عيادة التغذية بخطواتٍ مترددة، وكأنه يدخل قاعة امتحان لم يستعد له!

فمنذ أن تسلّم ورقة التحويل من الطبيب، وهو يتخيل نفسه أمام لجنة تحقيق غذائية، ستفتح ملف مخالفاته القديمة، وتبدأ بمحاسبته على كل رغيف خبز، وكل طبق أرز، وكل قطعة لحم تناولها خلال الأشهر الماضية!

كان يحاول أن يبدو هادئًا، لكن ملامح وجهه كانت تفضح ما يدور في داخله.

ابتسمت أخصائية التغذية، وقالت بصوتٍ يملؤه اللطف:

— حيَّاك الله يا عمي... كيف حالك؟

ثم تأملت ملامحه التي يكسوها القلق، وقالت مبتسمة:

— لماذا تبدو خائفًا؟

عيادتنا ليست مخيفة...

ليس عندنا إبر، ولا أجهزة تثير الرعب!

ثم أشارت إلى زاوية الغرفة وقالت ضاحكة:

— باستثناء هذا الميزان... فهو الوحيد الذي يخيف بعض المراجعين!

التفت أبو علي نحو الميزان...

وكأن أحدًا أيقظه من شروده.

أما كلمة ”يا عمي“، فقد استقرت في قلبه قبل أن تصل إلى أذنه.

وقال في نفسه:

— يا سلام...

هذه أول مرة أسمع كلمة ”يا عمي“ بهذه الروح الجميلة!

لا سخرية فيها، ولا مجاملة ثقيلة...

بل احترامٌ صادق جعل الكلمة تدخل قلبي قبل أذني.

وشعر بشيء من الارتياح، لكنه لم ينسَ أن أمامه امتحانًا لم تبدأ أسئلته بعد!

ثم عاد ببصره إلى الميزان...

نظر إليه طويلًا، وقال في نفسه:

— أنت هنا أيضًا؟!

ألم تكتفِ بما فعلته بي في البيت؟

هل لحقت بي حتى إلى العيادة؟!

يبدو أنك موظفٌ هنا بدوامٍ كامل!

ثم أضاف ساخرًا:

— كنت أظنك صديقًا وفيًّا بعد وليمة الزواج... لكن يبدو أنك تعمل في أكثر من مكان!

وقبل أن يُكمل حديثه الصامت مع الميزان، قطعت الأخصائية شروده وقالت بلطف:

— يا عمي... هل تتفضل بالوقوف على الميزان حتى أعرف وزنك الحالي؟

ابتلع ريقه، وقال في نفسه:

— وزني...

آه يا وزني!

ها قد بدأت أول جلسة...

وبدلًا من الحديث عن الطعام، بدأنا بالأرقام!

يبدو أن لحظة الفضيحة قد حانت

بعد قليل سيظهر الرقم...

ثم تبدأ محاضرة العتاب، وسأسمع كلمات من نوع:

”ماذا فعلت بنفسك؟“

”ألم نقل لك؟“

”لماذا لم تلتزم؟“

تقدم نحو الميزان ببطء...

ووضع قدمًا...

ثم الأخرى...

حتى خُيِّل إليه أن الميزان تنهد وقال:

— يا ساتر... استعدوا يا جماعة!

وقف ساكنًا...

وانتظر ظهور الرقم.

مرت عليه لحظاتٌ بدت وكأنها دقائق طويلة.

ثم أضاءت الشاشة...

119 كيلوجرامًا!

نظر أبو علي إلى الرقم.

تذكر الرقم الذي احتفل به قبل فترة، حين وقف على ميزان منزله فرحًا بوزن 117 كيلوجرامًا، وقبّله يومها لأنه لم يفضحه بعد وليمة الزواج!

أما اليوم...

فقد عاد الرقم ليرتفع من جديد.

هز رأسه بحزن وقال في نفسه

— ألم أقل لك أيها الميزان...

ستفضحني في أول لقاء!

حتى هنا لم تسترني!

ثم تمتم:

— كنت أظن أننا تصالحنا... لكن يبدو أن الصداقة لم تكن متينة كما توقعت!

نزل عن الميزان وهو يتنهد.

أما أخصائية التغذية، فنظرت إلى الشاشة بهدوء، ثم دوَّنت الرقم في الملف وقالت بابتسامة لطيفة:

— الوزن... مئة وتسعة عشر كيلوغرامًا.

قال أبو علي في نفسه:

— ها قد بدأنا...

الآن سيُفتح ملف العتاب...

وسأسمع قائمة الاتهامات واحدةً تلو الأخرى!

شد كتفيه، وأخذ نفسًا عميقًا، واستعد لاستقبال أول محاضرة في حياته داخل عيادة التغذية.

لكن...

ما حدث بعد ذلك لم يكن في حسبانه!

- - -

نظرت إليه الأخصائية برفق، وقالت:

— يا عمي... هل أنت مرتاح؟

أشعر أن هناك شيئًا يشغل بالك.

منذ أن دخلت العيادة وأنت تبدو قلقًا، وكأنك دخلت لجنة تحقيق، لا عيادة صحية!

ظل أبو علي صامتًا.

فابتسمت الأخصائية وأضافت:

— اطمئن...

أنا هنا لمساعدتك، لا لمعاقبتك.

ولست هنا لأمنعك من الطعام، وإنما لأساعدك على أن تتعامل معه بطريقة صحيحة.

ثم تابعت بنبرة هادئة:

— نحن لا نحكم على نجاحك أو فشلك من رقم واحد على الميزان.

فالوزن قد يتغير لأسباب متعددة، والمهم أن نفهم حالتك الصحية، وعاداتك الغذائية، ثم نضع خطة تناسبك وتستطيع الاستمرار عليها.

صدقني...

حين يطمئن قلبك، ستصبح رحلتنا أسهل بكثير.

كانت كلماتها تنزل على قلب أبي علي كما ينزل المطر على أرضٍ أنهكها الجفاف.

وشعر فجأة أن الصورة التي رسمها في خياله عن عيادة التغذية بدأت تتلاشى.

وقال في نفسه:

— يا سبحان الله...

كنت أظن أنني سأقابل شخصيةً لا تعرف إلا كلمة ”ممنوع“!

وتوزع الحرمان على الناس كما يوزع المعلم أوراق الاختبارات!

وإذا بي أقابل إنسانةً تريد أن تعلمني كيف آكل... لا كيف أجوع!

ثم ابتسم ابتسامةً لم يشعر بها منذ دخوله العيادة، وقال في نفسه:

— الحمد لله...

إذن لن أعيش بقية عمري على الخس والماء!

وكاد أن يضحك حين تذكر حديثه القديم مع الخبز، وكيف اتهمه بزيادة وزنه، ثم أعلن الحرب على الأرز، قبل أن تنتهي مغامرته مع اللحوم بزيارة الطبيب بسبب النقرس!

وقال في نفسه:

— يبدو أنني كنت أحتاج إلى هذه العيادة منذ أول معركة... قبل أن تتسع قائمة الخصوم!

بدأ القلق الذي لازمه منذ تسلّم ورقة التحويل يذوب شيئًا فشيئًا.

وحلَّ محله شعور بالراحة، بل والفضول لمعرفة ما ستقوله له هذه الأخصائية التي لم تبدأ باللوم، ولم تفتح دفتر الممنوعات.

اعتدل في جلسته...

ووضع يديه على الطاولة...

ثم ابتسم وقال:

— تفضلي دكتورة...

يبدو أنني كنت أحارب أوهامًا أكثر مما كنت أحارب الطعام.

وأظن أن الوقت قد حان...

لأتعلم كيف أعيش مع الطعام... لا كيف أعيش ضده.

وللمرة الأولى منذ بدأ رحلته مع الحمية، شعر أبو علي أنه لم يعد بحاجة إلى إعلان حرب جديدة...

بل إلى أن يتعلم كيف يصنع سلامًا دائمًا مع طعامه وصحته.

وصفة صحية

لا تجعل رقم الميزان مصدر خوف أو إحباط؛ فالنجاح في إنقاص الوزن لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بتحسّن صحتك وعاداتك الغذائية وقدرتك على الاستمرار. واستعن بأخصائي التغذية العلاجية لوضع خطة متوازنة تناسب احتياجاتك وحالتك الصحية، دون حرمانٍ قاسٍ أو حمياتٍ عشوائية.

وللقصة بقية...

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف