لمن أهدي الورد بعد رحيلك يا أبا عادل؟

منذ أن عدتَ من هجرتك إلى لبنان، قبل نحو عشر سنوات ونيف، اعتدتُ أن أبعث إليك بباقة ورد، ومعها زجاجات ماء، كل أسبوعين أو كل شهر، قبل جلستنا المعتادة أو بعدها مباشرة. لم تكن الباقة ورداً فحسب، ولم يكن الماء ماءً فحسب؛ كانا طريقتي الصغيرة في التعبير عن محبةٍ لا تحتاج إلى مناسبة، ووفاءٍ لا ينتظر مقابلاً، وشوقٍ إلى مجلسٍ كنت أخرج منه أغنى فكراً، وأوسع رؤية، وأشد التصاقاً بالحياة.
واليوم، يا أبا عادل، وقد رحل الطود الشامخ، وتوارى الجسد الذي ألفناه، بقيت العادة واقفةً عند باب السؤال، وبقي الورد في يدي حائراً، وبقي الماء ينتظر مجلساً لن ينعقد على صورته القديمة.
لمن أهدي الورد الآن؟
لأي بابٍ أرسله؟
وأي يدٍ ستتلقاه؟
وأي صوتٍ سيقول لي حين أصل:
أهلاً يا نزار، تفضّل؟
يا صاحبي الذي امتدت بيني وبينه أكثر من أربعين سنة، يا من لم تكن زيارتي لك موعداً عابراً في تقويم الأيام، بل موعداً مع الفكر حين يضيء، ومع اللغة حين تكشف أسرارها، ومع الإنسان حين يتجاوز حدود نفسه إلى أسئلة الوجود والحياة؛ كيف أقنع الورد أن الطريق إلى بيتك لم يعد هو الطريق نفسه؟ وكيف أقنع الماء أن صاحبه الذي اعتاد أن ينتظرنا لم يعد ينتظر أحداً؟
كنت أرسل الورد إليك، فيزهر في المكان، لكنني لم أكن أعرف أن المكان نفسه كان يزهر بك. وكنت أبعث الماء، ولم يخطر لي أنني سأجيء يوماً لأكتشف أن العطش ليس عطش الحلق، بل عطش الروح إلى مجلسك، وإلى حديثك، وإلى تلك اللحظات التي كان فيها الزمن يتراجع قليلاً، كي يفسح المجال لفكرةٍ تولد، أو قصيدةٍ تنكشف، أو سؤالٍ يفتح أمامنا باباً لم نكن نراه.
يا أبا عادل،
منذ رحيلك صار للورد سؤال،
وللماء حيرة،
وللموعد ذاكرة لا تعرف كيف تعود إلى البيت.
أأرسل الورد إلى قبرك؟
أم أتركه عند بابك،
لعلّ عطره يبلغك
من طريقٍ لا تعرفه المسافات؟
أأهدي الماء إلى الغائب،
أم أسقي به شجرةً
كانت تعرف أن للظل معنى،
وأن بعض الرجال
إذا مرّوا بالمكان
تركوا في ترابه شيئاً من أرواحهم؟
كل أسبوعين،
أو كل شهر،
كانت يدي تعرف الطريق إليك،
وكان قلبي يسبقها إلى مجلسك.
أما الآن،
فقد وصلت اليد إلى آخر العادة،
وبقي القلب واقفاً في أول الطريق،
يسأل:
أين أضع ما اعتدت أن أحمله إليك؟
لقد كنتَ تستقبل الورد في حياتك،
أما اليوم فقد صار الورد يستقبلني بحزنه،
وصارت زجاجات الماء تذكّرني
بأن بعض العطايا الصغيرة
تكبر في أعيننا
حين نفقد من كنا نهديها إليه.
وليس الوجع أن تنتهي عادةٌ جميلة،
بل أن تكتشف أن وراءها إنساناً
كان يمنحها معناها،
وأن الأشياء التي اعتدناها معه
لا تستطيع أن تعود إلينا كما كانت بعده.
كنتُ أظن أنني أهديك الورد،
ثم اكتشفت، بعد رحيلك،
أنني كنت أهدي نفسي فرحة اللقاء،
وأهدي أيامنا سبباً جديداً كي تتجدد،
وأحفظ بيني وبينك خيطاً من المودة
لا تقطعه المسافات،
ولا تُضعفه السنوات،
ولا يحتاج إلى إعلان.
فكيف أودّع عادةً
كانت في حقيقتها محبة؟
وكيف أضع نهايةً
لشيءٍ لم يكن له في قلبي بدايةٌ محددة؟
يا أبا عادل،
لن أعدك بأنني سأكفّ عن شراء الورد،
فبعض العادات لا تموت،
لأنها ليست من عادات اليد،
بل من عادات الروح.
ولن أقول إنني سأجد لك بديلاً،
فليس في الحياة بديلٌ عن إنسانٍ بعينه،
ولا في المجالس مقعدٌ يشبه مقعده،
ولا في الكلام صوتٌ يستعيد نبرته،
ولا في الذاكرة صورةٌ تستطيع أن تعوّض اللقاء.
لكنني سأتعلم، على مهلٍ، كيف أواصل ما تركته المحبة في يدي. ربما أضع الورد أمام كتابٍ من كتبك، وأترك الماء إلى جواره، وأجلس طويلاً أتأمل ما كتبت، كأنني أزورك من بابٍ آخر. وربما أهدي الورد إلى إنسانٍ يحتاج إلى لمسة وفاء، وأتذكر أن أجمل ما نتعلمه من الراحلين ليس كيف نبكيهم، بل كيف نحمل شيئاً من جمالهم إلى الآخرين.
سأفعل ذلك، لا لأن أحداً سيأخذ مكانك، بل لأنك علمتني، من حيث تدري أو لا تدري، أن المعنى الجميل ينبغي ألا ينقطع برحيل صاحبه، وأن الوفاء لا يكون بحفظ الذكريات وحدها، بل بإبقائها قادرةً على العطاء.
ومع ذلك، سيظل السؤال يعود إليّ كلما مررت بمحل الورد، أو وقعت عيناي على زجاجات الماء:
لمن أهدي الورد الآن؟
وسأسمع في داخلي صوتك الذي لن يعود كما كان، وسأرى مجلسك الذي لن يجمعنا كما كان، وسأشعر بأن المسافة بيني وبينك لم تعد تُقاس بالطريق، بل بما تركه غيابك في القلب.
لمن أهدي الورد يا أبا عادل؟
ربما أهديه إليك، وإن لم تعد يدك تتلقاه.
ربما أهديه إلى ذكراك، وإن كانت أوسع من باقة.
ربما أضعه أمام كتبك، وأقول له:
هنا كان رجلٌ يعرف كيف يجعل من الفكرة حياة،
ومن الكلمة نافذة،
ومن المجلس عالماً لا يخرج منه المرء كما دخله.
أما الماء، فسأتركه شاهداً على عادةٍ صغيرةٍ صنعتها المحبة، وعلى صداقةٍ لم تكن تحتاج إلى ضجيج كي تثبت صدقها، وعلى أربعين عاماً ونيفٍ من القرب الذي لا تختصره سيرة، ولا يفيه رثاء.
سلامٌ عليك يا أبا عادل،
يا من جعلتَ للزيارة معنى،
وللانتظار طعماً،
وللكلام حياةً أخرى.
سلامٌ على مجلسك،
وعلى الورد الذي عرف طريقه إليك،
وعلى الماء الذي رافق خطاي إلى بابك،
وعلى تلك الجلسات التي كنا ننتظرها بشوق،
ثم نعود منها ونحن نحمل في عقولنا أسئلةً جديدة،
وفي قلوبنا محبةً أكثر رسوخاً.
رحلتَ، وبقيت العادة تبحث عنك،
وبقي الورد يسأل عن عنوانه،
وبقي الماء ينتظر يداً لن تمتد إليه من جديد.
أما أنا،
فسأظل أحمل إليك ما استطعت من وردٍ ووفاء،
وأعرف، مهما طال الغياب،
أن بعض الهدايا لا تصل إلى أصحابها باليد،
بل تصل إليهم بما تحمله من محبة.
ولعلّ أجمل وفاءٍ لك، يا أبا عادل، أن أظل أهدي الورد، لا لأنني نسيت أنك رحلت، بل لأنني لم أنسَ قطّ أنك كنت هنا.












