لم يختفوا تمامًا!

ليون تولستوي، وتشارلز ديكنز، وفيودور دوستويفسكي، وسيغموند فرويد، وعبد الرحمن منيف، ونجيب محفوظ، وهيرمان ملفيل، وجوزيه ساراماغو، وغيرهم، أين اختفى هؤلاء الكتّاب الكبار؟ سؤال طرحته مجلة العربي الصادرة في الكويت - العدد رقم 799- شهر يونيو 2025 عبر مقال كتبه الأستاذ إبراهيم ناصر المليفي يحمل في طياته الكثير من الحنين إلى زمنٍ بدأ فيه الكاتب أكبر من عصره، وإلى كتبٍ كانت تتّسع لعالمٍ كامل.
إن اختفاء هؤلاء الكبار ليس اختفاءً للكتابة نفسها، بل تغيّرٌ في شروط ظهورها وتلقّيها. فالكاتب الذي كان يستطيع أن يمضي سنواتٍ في بناء عالمٍ روائيّ واسع، يعيش اليوم في فضاء يطلب من القارئ أن ينتقل بسرعة من منشور إلى آخر، ومن خبرٍ إلى مقطعٍ قصير. لم تعد المنافسة بين كتابٍ وكتاب فحسب، بل بين الكتاب وكل ما يزاحم انتباهنا.
لم يختفوا تمامًا؛ الذي تغيّر هو شكل حضورهم. كانت روايات تولستوي وديكنز ودوستويفسكي تُقرأ في زمنٍ أبطأ، وتُمنح مساحةً من الانتباه يصعب أن تنافسها اليوم شاشاتٌ لا تكفّ عن طلبه. كما أن لقب «الكبير» لا يُمنح عادةً في لحظة الكتابة؛ يحتاج إلى زمنٍ يختبر الأعمال، وإلى قرّاء ونقّاد ومترجمين يعبرون بها الحدود.
ربما لم ينتهِ زمن الكتّاب الكبار، بل صاروا أصعب ظهورًا وسط الضجيج، وأصعب اكتشافًا قبل أن يقول الزمن كلمته.
وسائل التواصل الاجتماعي عمّقت هذا التحوّل. فهي تكافئ غالبًا ما يُلتقط بسرعة.. العبارة اللامعة، والرأي الحاد، والحكاية المختصرة. أما الرواية الكبيرة فتحتاج إلى وقتٍ وصبرٍ وقراءةٍ متأنية؛ وهي أمور لا تنسجم دائمًا مع إيقاع المنصات، حيث تُقاس الرواجَ أحيانًا أعدادُ المشاهدات والإعجابات، لا عمق الأثر الذي يتركه العمل بعد سنوات.
كما تغيّرت صورة الكاتب. صار مطلوبًا منه أحيانًا أن يكون كاتبًا وناشرًا لنفسه ومسوّقًا حاضرًا باستمرار؛ أن يعرّف الجمهور بعمله، ويتفاعل معه، ويحافظ على انتباهه. وقد يدفعه هذا إلى تقديم نفسه وشخصيته وآرائه على حساب الكتابة الهادئة التي لا تظهر نتائجها سريعًا. لكن ذلك ليس حكمًا على كل كاتب أو كل منصة؛ فوسائل التواصل أتاحت أيضًا لأصواتٍ جديدة أن تصل إلى القرّاء من دون المرور دائمًا عبر الأبواب التقليدية.
وثمة سببٌ آخر. نحن نرى الكبار بوضوحٍ أكبر لأن الزمن انتقى أعمالهم. نقرأ تولستوي وديكنز ودوستويفسكي بعد أن مرّت كتبهم عبر أجيال من القرّاء والنقّاد والترجمة، بينما نعيش وسط آلاف الكتب الجديدة التي لم يمنحها الزمن فرصةً كافية لتستقرّ في الذاكرة. لذلك قد يكون بعض كتّاب اليوم كبارًا فعلًا، لكننا لم نعرفهم بعد؛ فالعظمة الأدبية لا تُعلن عن نفسها دائمًا عند صدور الكتاب، بل قد تحتاج إلى سنواتٍ كي تُرى.
لعلّ السؤال إذن ليس.. ”أين اختفى الكتّاب الكبار؟“ بل.. هل ما زلنا نمنح الكتاب والكاتب الوقتَ الذي يحتاج إليه كي يكبر فينا؟ فالمنصّات قد تسرّع انتشار كتاب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع له عمقًا أو خلودًا. ذلك ما تصنعه الكتابة الصادقة، وقراءةٌ تصبر عليها، وزمنٌ يختبرها.












