آخر تحديث: 31 / 10 / 2026م - 4:35 م

الحقد بين ألم الذاكرة وسكينة العفو «2»

راحة القلب وطريق التحرر


ورد عن الإمام العسكري : ”أَقَلُّ النَّاسِ رَاحَةً الحَقُودُ“ [بحار الأنوار، ج 75، ص 373].

مدخل التعافي: الوعي بالجرح

كيف يمكن للإنسان أن يتحرر من المشاعر السلبية الناجمة عن مواقف مؤلمة تلقّى فيها موقفاً مسيئاً أو كلمة قاسية، داخلت نفسه وأثرت فيها باختزان صورة مشحونة بالكراهية تجاه الآخر؟

بلا شك أن الجروح النفسية والوجدانية المتشكلة بعد مواقف مؤلمة تحتاج إلى معالجة للوصول إلى مرحلة التشافي تماماً واختفاء أي أثر لها؛ فالوعي بالنفس يُعد الخطوة الأولى نحو طريق التعافي والنهوض مجدداً بعد تلك المرحلة الصعبة. وهنا يأتي دور التدقيق في مصدر الألم، والموقف العالق في الذاكرة، والعوامل المؤدية لبقائه دون نسيان؛ فلا شك أن هناك أسباباً تستحضره ماثلاً في المخيلة بين فترة وأخرى، خصوصاً إذا وُجد عامل أو عنصر مشترك ينتقل به نحو الماضي. وهذا ما يفتح الباب نحو البحث عن طرق التحرر والتخلص منها.

حقيقة التحرر والتسامح

التحرر من الآلام لا يعني البتة إنكار الجرح وتأثيره عليه، بل هو الاعتراف بوجوده دون السماح له بأن يتحول إلى محدد لهويته وسلوك مستمر. وهكذا في تعريف وتحديد المشكلة وتأثير المواقف المؤلمة وتحولها لندوب تسكن دواخله بالمشاعر السلبية، والتحرك في تعامله مع الآخرين مستقبلاً وفقها.

وكذلك مفهوم التسامح وتجاوز الإساءة وما صاحبها من ظروف وجدانية قاسية؛ فهذا لا يعني إسقاط الحقوق وتحول التعاملات الاجتماعية إلى منطق الغاب والتوحش، كما أنه لا يبرر أبداً مبدأ الظلم والعدوانية وتجاوز الخطوط الحمراء في التعامل بأدب وأخلاق راقية. بل التسامح قرار حاسم ومجدٍ يمنع الإساءة في الزمن الماضي من استنزاف طاقته النفسية والإيمانية بقية عمره.

فماذا نتصور إن لزمنا غير المسار العقلائي والأخلاقي الداعي للتسامح وتجاوز الإساءة بالغض والترفع عنها، فاتخذنا مسار المناددة والمناكفة والدخول في دهليز ”رد الصاع صاعين“؟

هذا يعني تحول حياتنا إلى جحيم لا يُطاق، مع ضياع تغيب فيه بوصلة العمل لتحقيق أهدافنا المرسومة وفق آلية محكمة.

الصبغة الإيمانية والهدوء النفسي:

إن هذا التحرر من المشاعر السلبية له صبغة إيمانية ومعنى متصل بتحقيق الطمأنينة والهدوء النفسي، والذي يعد عماد الاتزان والبعد عن التشتت الذهني والسلوكي. فالإنسان حين يرد أمره إلى الله تعالى، ويرى ما يمر به محطة ابتلاء واختبار لمصداقيته في التوكل على الله تعالى، ويستمد منه الطمأنينة والقوة في العمل الصالح وصنع المعروف والترفع عن المعايب والنقائص؛ يصبح أكثر قدرة على تجاوز ما عجز عن تغييره في الماضي.

قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد، الآية 28].

وما يتعلق بالطمأنينة القلبية والهدوء النفسي تجاه ما يصيبه من آلام ومواقف مزعجة أو مسيئة يحافظ حينئذ على ضبطه وحكمته واتزانه؛ فإنه لا يعني غياب الألم وفقدان الشعور به ”فهذا بخلاف الطبيعة البشرية في التأثر بالمواقف إيجاباً وسلباً“، وإنما هو القدرة على المضي بهمة عالية وحمل الحياة رغم الألم دون أن ينكسر القلب به ولا يحدث فيه ندوب الكراهية.

فإن من أهم المهام والوظائف الحياتية هو الحفاظ على صحة القلب من الجهة المعنوية، وذلك برعايته لئلا يعتلَّ وتضعف نبضاته بسبب التأثر بمواقف الآخرين؛ لتتحول بعد ذلك إلى تراكمات سلبية تحكم طريقة تخاطبه وتعامله، ويصعب عليه التخلص منها بعد أن تحولت إلى تعامل شبه يومي أو سلوك مستمر.