آخر تحديث: 30 / 10 / 2026م - 9:42 م

من الذي يفكّر في رأسك؟

سراج علي أبو السعود *


تخيّل أن شخصًا يدفع مئة دولار لحضور عرضٍ لأحد المشاهير، ثم يمرّ بالشخص نفسه وهو يؤدي العمل ذاته مجانًا، فلا يلتفت إليه! ما الذي تغيّر؟ الشخص أم العمل أم نظرة المتلقي إليهما؟ في عام 2007، أجرت صحيفة أمريكية تجربة اجتماعية لافتة، استعانت فيها بأحد المشاهير في مجال العزف، وطلبت منه أداء مقطوعات في محطة لمترو الأنفاق، مرتديًا ملابس عادية، دون الكشف عن هويته. كانت النتائج مثيرة؛ فمن بين 1097 شخصًا مروا بالقرب منه، لم يتوقف للاستماع إليه دقيقةً كاملة سوى سبعة، ولم تتجاوز حصيلته خلال 43 دقيقة مبلغ 32.17 دولارًا، بينما كانت تذاكر عروضه تُباع بنحو مئة دولار! وليس موضع اهتمامنا هنا طبيعة ما قدّمه أو قيمته، وإنما السؤال الذي تثيره التجربة: هل نحكم على الأشياء بما نعرفه عنها، أم بما نعرفه عن أصحابها؟ ومع أن انشغال المارة قد يفسّر إعراضهم، فإن المفارقة تستحق التأمل.

يلعب الإعلام دورًا مؤثرًا في صناعة الشهرة؛ فقد يرفع شخصًا إلى مصاف رموز الفكر والثقافة، بينما يترك آخر، ربما يفوقه علمًا وإبداعًا، في عتمة النسيان. والأخطر ليس أن يصنع الإعلام المشاهير، بل أن يصنع لنا المعايير التي نحكم بها عليهم! وقد يُقال إن الإعلام يعرّف الناس بمواطن التميز، وهذا صحيح، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التعريف إلى وصاية، ويتحول المتلقي إلى مستعير لعقول الآخرين؛ فيصفّق حيث يُطلب منه التصفيق، ويستهجن حيث يُطلب منه الاستهجان، دون أن يسأل: لماذا؟ ولست أزعم أن كل مشهور صنيعة إعلام، ولا أن كل مغمور عبقري مظلوم، لكن التاريخ لم يكن منصفًا دائمًا في توزيع أضوائه؛ فهذا الروائي الأمريكي جون كينيدي تول، رُفض نشر روايته «اتحاد الأغبياء» في حياته، ثم نُشرت بعد وفاته بأحد عشر عامًا، لتحصد جائزة بوليتزر الأدبية عام 1981! والمفارقة أن الرواية التي لم تجد من ينشرها أصبحت لاحقًا عملًا أدبيًا محتفى به. فهل تغيّرت قيمة الرواية، أم تغيّرت أحكام الذين قيّموها؟

دعني، سيدي القارئ، أوصي عقلي بصوت مرتفع تسمعه، فأقول: فكّر، واقرأ، وابحث، وامتلك أدوات الحكم قبل أن تُصدر أحكامك. لا تجعل الشهرة شهادة عبقرية، ولا الخمول شهادة عجز؛ فلربما كان بين المنسيين من يستحق التقدير أكثر ممن ملؤوا الدنيا ضجيجًا. وأخشى ما أخشاه أن نكون قد فقدنا القدرة على تمييز القيمة، لا لأن عقولنا عاجزة عن إدراكها، بل لأننا اعتدنا ألا نعترف بها حتى يخبرنا الآخرون أنها تستحق الاعتراف!