وجود الهاتف الجوال: نعمة أم نقمة؟

ظهرت عدة تقارير إخبارية متلفزة وصحفية تفيد بأن أجهزة شخصية كالجوال واللابتوب وساعة اليد الرقمية «وحتى بعض شاشات التلفزيون الرقمية لبعض العلامات التجارية العالمية» المحمّلة بتطبيقات وبرمجيات ذكية تتنصت على أصحابها وتجمع معلومات عنهم وعن الأماكن التي يرتادونها، وتسترق السمع وتقرأ البيانات الشخصية وتحلل بالذكاء الاصطناعي الرغبات والنزوات والمشتريات والجمل، وترسم معالم الميول والتفضيلات والرغبات والانحيازات للأشخاص. وعليه كان وما زال يتفاجأ البعض عند تصفحه بعض التطبيقات بظهور كم هائل من الإعلانات عن منتج تجاري، أو منتجع سياحي، أو محطة سفر، أو مطعم بمذاق معين، كان لتوّه قد تحدث عن رغبته في شيء مماثل له مع أهل بيته أو أصدقائه أو في مكتب عمله!!!
يقال بأن «الصورة أبلغ تعبيرًا من ألف كلمة»، والواقع يتكلم عن ذلك. فمعظم سكان العالم أضحوا لا يقرؤون تفاصيل أي حدث معاصر، فضلًا عن الأحداث التاريخية، ويكتفون بمشاهدة الصور ومقاطع الفيديو لإطلاق مشاعر تفاعلية معينة قد تصل للعشق أو الكره والتنابز. إلا أن ناشر الصورة يكون محمودًا لدى أطراف، ومذمومًا لدى أطراف أخرى؛ لأن ليست كل الصور تجلب السرور والبسمة في نفوس متلقيها. ولذا نشاهد أن بعض التوثيقات بمقاطع الفيديو والصور جلبت أو تجلب المتاعب لناشرها من أطراف، والعكس من أطراف أخرى. وعليه انكفأ عدد ليس بالقليل من الناس عن تصوير وتوثيق بعض الأحداث خشية من التبعات تارة، وخشية خرق قوانين في غفلة منه تارة أخرى. نعم، نؤمن بأهمية ووجوب مراعاة عدم تصوير أو نشر صور/ مقاطع قد تمس الأمن العام. والكلام هنا عن مواضيع اجتماعية عامة.
إلا أن نشر بعض الصور وبعض المقاطع لحفلات وتكريمات أثار تساؤلات وجلب بعض المتاعب لأصحاب المناسبة.
حديثًا، ما أثار الذعر في صفوف العقلاء هو إعادة تركيب صورة الوجه على أجساد مختلفة بأوضاع ومع مجموعات مشبوهة أو محل شكوك، أو في أماكن غير لائقة، أو مع أشخاص مطلوبين أمنيًا، أو... أو... ولعل برمجيات ما تُعرف باسم «Deepfake» قضت مضاجع الكثير من الناس المحافظين.
مايك الجوال يسترق السمع، تلك حقيقة، وعليه أوصى ويوصي خبراء البرمجة والمبرمجون الحريصون على الخصوصية بعدم تفعيل المايك في الأجهزة الإلكترونية كالجوال «الهاتف النقال» إلا عند الحاجة «on a need basis».
فالتطور المذهل في البرمجيات والتقنيات أدى وسيؤدي لتوظيف صوت الشخص المعني، لا سيما إذا كان صاحب شأن رفيع، في تركيب كلام لم ينطق به مع صورته كتصريح رسمي أو إعلان رسمي. وهذا يندرج في الحرب الإعلامية والتضليل الإخباري في شؤون عدة كالاقتصاد والأمن والعلاقات.
تقريبًا، وبعقوبات متفاوتة، فإن معظم الدول حول العالم شرعت قوانين تجرم سوء استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. والجوال واللابتوب هما أهم أدوات الاستدلال على وقوع تلكم الاستخدامات السيئة. فأضحى الكثير من الناس العقلاء في بعض الدول يتوخون الحذر حتى من تبادل الرسائل في إطار الأسر أو القروبات، خشية أن يكون جوال أحدهم مخترقًا!!
لكوني مشاركًا في مجاميع رقمية وقروبات متعددة، شاهدت ولمست التردد بالمشاركة في كثير من القروبات المحافظة أكثر منه في مجموعات الأشخاص المعتدلين. فكنت أتساءل: هل فشل الناس المحافظون في استيعاب استخدامات التطبيقات بالشكل الأمثل، أم أن الوسواس أكل كل حقوقهم في الاستفادة من الطفرة التقنية، أم أن البعض يتحسس بشكل مفرط لدرجة تجعل تفاعله مجرد مشاهدة، أي إنه على الصامت «متفرج» على طول الخط!
لا ينبغي الخوف بشكل مفرط، ولا ينبغي التهور أيضًا. فالتقنية أودع الله فيها قدرات تسهّل أمور الناس في مجالات عدة، ومنها التواصل الاجتماعي الفعّال وتوسعة المدارك والإثراء المعرفي والعلمي، واستنساخ التجارب العالمية النافعة، والترفيه الهادف، والتعليم الراقي، وشروحات تبسيط المفاهيم، ونقل جوانب من الحقيقة. والشخص العاقل الراشد يجعل من نفسه رقيبًا عليها من الانحراف والسلبية والانزلاق والتطرف والتشنج والوسواس والهوس. استيعاب تقنيات الاتصال وحسن استخدامها وتوظيفها والتطبيقات الإلكترونية أضحت ضرورة معيشية لا مفر منها. تربية النفس وتهذيبها وحسن ضبط السلوك الذاتي لا تزال الأدوات الأمضى لتفادي مصائد الشياطين وحبائلهم.













