آخر تحديث: 19 / 9 / 2026م - 4:54 م

لو قيَّمك الوطن… كم نجمة تستحق؟

يوسف الطويل *


بعد كل وجبة نطلبها، تظهر لنا شاشة صغيرة:

«كيف تقيّم تجربتك؟»

خمس نجوم إن أعجبتنا، وأربع إن كان هناك تقصير، وربما نجمة واحدة إن خرجنا غاضبين.

صرنا نقيّم كل شيء تقريبًا؛ المطعم، والفندق، والمتجر، والتطبيق، وسائق التوصيل، وحتى الموظف الذي تحدث معنا لدقائق.

لكن في اليوم الوطني، خطر لي أن أقلب الشاشة في الاتجاه الآخر.

ماذا لو كان الوطن هو الذي يقيّمنا؟

لا نسأله هذه المرة عن الطرق والمستشفيات والمدارس والخدمات والمشاريع، ولا نعطيه نحن النجوم.

هو الذي يسأل.

وأنت الذي تنتظر النتيجة.

تخيل أن تستيقظ صباحًا فتجد على جوالك رسالة:

«عزيزي المواطن… تم تقييم أدائك خلال العام».

تفتحها وأنت واثق أنك تستحق خمس نجوم.

لكن الوطن لا يسألك كم مرة رفعت علمه، ولا كم صورة نشرتها في يومه، ولا كم مرة قلت إنك تحبه.

يفتح سجلّه الخاص بك.

يتذكر أنك في الصباح غضبت لأن معاملتك تأخرت عشر دقائق، ثم وصلت إلى عملك متأخرًا نصف ساعة.

ويتذكر أنك اشتكيت من حفرة في شارع، ثم مررت بجوار خلل آخر وقلت: «مالي شغل».

ويتذكر أنك طالبت التاجر بالأمانة، والموظف بالإخلاص، والمقاول بالجودة، والطبيب بالاهتمام، والمعلم بالتفاني.

ثم يسألك سؤالًا محرجًا:

وحين جاء دورك أنت… ماذا فعلت؟

هنا يصبح التقييم أصعب.

فنحن في اليوم الواحد قد نكون المواطن الذي يطالب، وبعد ساعة نصبح الموظف الذي يُطالَب.

نريد خدمة بخمس نجوم، وطريقًا بخمس نجوم، ومستشفى بخمس نجوم، ومدرسة بخمس نجوم، وموظفًا بخمس نجوم.

ولكن كم مرة توقفنا لنسأل:

هل كان أداؤنا نحن بخمس نجوم؟

ولعل من أكثر ما يبحث عنه الإنسان في وطنه أن يشعر بالأمان.

أن يخرج من بيته مطمئنًا إلى الطريق الذي يسير عليه، وإلى جودة الخدمة التي يتلقاها، وإلى أن من حوله يدركون أن تصرفاتهم قد تمس سلامته وحياته.

فنحن نطالب الجهات بأن تمنحنا طرقًا آمنة وخدمات موثوقة، وهذا حقنا.

لكن قد تنفق الدولة على طريق آمن، ثم يأتي شخص بتهوره فيسلب الآخرين شعورهم بالأمان في ثوانٍ.

وهنا نكتشف أن المواطن ليس مستفيدًا من أمن وطنه وخدماته فقط، بل قد يكون في لحظة ما جزءًا من الأمان الذي يشعر به مواطن آخر.

فالأمن ليس دائمًا شيئًا توفره لنا جهة ما؛ أحيانًا يكون مواطنًا يقود بجانبنا ويقرر ألا يهدد حياتنا، أو إنسانًا يؤدي عمله بإتقان فيمنح الآخرين شيئًا من الطمأنينة.

وهنا خطر لي سؤال أصعب.

ماذا لو مُنعنا في اليوم الوطني من قول: «أنا أحب وطني»؟

لا كلمات! لا شعارات! لا صور! ولا حتى علم نضعه على نافذة سيارة!

وسُمح لنا بطريقة واحدة فقط لإثبات هذا الحب:

أعمالنا!

هل سيعرف الوطن أننا نحبه؟

هل ستقولها ساعات العمل التي أخلصنا فيها؟

هل سيقولها مشروع رفضنا أن نغش فيه؟

هل ستقولها معاملة أنجزناها لإنسان لا نعرفه؟

هل سيقولها طريق قدنا فيه باحترام لحياة الآخرين؟

وربما الأصعب من ذلك كله:

هل ستقولها أعمال فعلناها ولم يكن هناك أحد يراقبنا؟

لأن قول «أحب وطني» لا يستغرق أكثر من ثانيتين، أما إثباتها فقد يستغرق عمرًا كاملًا.

ويأتي يومنا الوطني هذا العام في ظروف صعبة، تجعل معنى الوطن والأمن أكثر حضورًا في القلب.

نسأل الله في هذه المناسبة الغالية أن يحفظ وطننا وأهله، وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأن يحفظ المواطنين والمقيمين على أرضه، وأن تبقى بلادنا آمنة مطمئنة، عزيزة بأهلها، قوية بتكاتفهم.

ثم نعود إلى شاشة التقييم التي بدأنا منها.

لكن هذه المرة، لا تضع إصبعك على النجوم لتقيّم وطنك.

اترك الشاشة له…

لو قيَّمك الوطن اليوم… كم نجمة تستحق؟