آخر تحديث: 16 / 9 / 2026م - 11:08 ص

الترقية والمنصب القيادي الجديد

محمد يوسف آل مال الله *


عندما تبدو الترقية أكبر منك: كيف تجد مكانك في منصبك القيادي الجديد؟

هل سبق أن حصلت على ترقية كنت تستحقها فعلًا، لكنّك بدلًا من أنّ تشعر بالسعادة والحماس، شعرت بالقلق والارتباك، وربّما بالخوف؟

أنت لست وحدك.

فبعض المهنيين، عندما ينتقلون إلى منصب أعلى، يمرون بتجربة عاطفية غير متوقعة. يتغيّر المسمى الوظيفي بين ليلة وضحاها، بينما يظل الشخص في داخله يتساءل:

• هل أنا مستعد فعلًا لهذه المسؤولية؟

• هل سيتقبلني الآخرون في دوري الجديد؟

• ماذا لو ارتكبت خطأ؟

• هل أنا فعلًا أنتمي إلى هذا المكان؟

واللافت أنّ هذه المشاعر لا تعني بالضرورة أنّ الشخص غير مؤهل. أحيانًا تعني ببساطة أنّ الدور الجديد تطوّر أسرع من الصورة التي يحملها الشخص عن نفسه.

ثقل المسمى الوظيفي الجديد:

غالبًا ما تأتي الترقية مصحوبة بمزيد من الصلاحيات، والظهور، والتوقعات، والمسؤوليات.

بالأمس كنت فردًا في الفريق.

واليوم قد تجد نفسك قائدًا لهذا الفريق.

الأشخاص الذين كانوا يجلسون إلى جوارك قد أصبحوا الآن ينتظرون منك اتخاذ القرارات، وتوجيه الفريق، وحل النزاعات، وإظهار الثقة، حتى وأنت لا تزال تتعلم متطلبات دورك الجديد.

وهنا قد تنشأ ما يمكن أن نسميه ”فجوة الهوية“؛ أي المسافة بين مَنْ كنت ومَنْ يُتوقع منك أن تصبح.

والتحدي هنا ليس بالضرورة أن تتخلص من الخوف.

بل أن تفهمه، وتتعايش معه بوعي، وتنمو من خلاله وتتجاوزه.

إذن، ماذا يمكنك أن تفعل؟

1. اسمح لنفسك بأن تكون جديدًا

ليس مطلوبًا منك أن تصبح خبيرًا منذ اليوم الأول. فالمنصب الجديد يعني بالضرورة وجود منحنى تعلّم جديد.

بدلًا من أن تسأل نفسك:

لماذا لا أشعر بالثقة الكاملة حتى الآن؟

اسأل:

ما الذي أحتاج إلى تعلّمه حتى أصبح أكثر ثقة في هذا الدور؟

فالثقة ليست دائمًا شرطًا مسبقًا للقيادة؛ بل كثيرًا ما تكون نتيجة للتجربة والتعلّم والتأمل والممارسة.

2. افصل بين المنصب وقيمتك الشخصية

المسمى الوظيفي لا يحدد قيمتك. لقد تمت ترقيتك بناءً على ما أثبتَّه من قدرات وإنجازات، وليس لأنّ المطلوب منك أن تتحول فجأة إلى شخص آخر.

ليست مسؤوليتك أن تثبت كل صباح أنّك تستحق هذا المنصب. مسؤوليتك هي أن تنمو لتصبح جديرًا بمسؤولياته.

3. ابنِ العلاقات قبل أن تحاول إثبات نفسك

من أقوى الطرق للتغلب على الشعور بعدم الانتماء أن تتوقف عن التركيز المفرط على نفسك. استمع، اطرح الأسئلة، افهم فريقك، تعرّف على ثقافة المنظمة، واكتشف ما يحتاجه منك أفراد فريقك.

فالقيادة ليست أن تدخل الغرفة وتحاول إثبات أنّك أذكى شخص فيها، بل أن تخلق بيئة يستطيع فيها الجميع أن ينجحوا معًا.

4. أعد تعريف معنى ”الانتماء“

أحيانًا يعتقد الإنسان:

”سأشعر بأنني أنتمي عندما يتقبلني الجميع“.

لكن الانتماء لا يمكن أن يعتمد بالكامل على قبول الآخرين لك.

السؤال الأكثر نضجًا هو:

ماذا يعني أن أنتمي أنا إلى هذا الدور؟

• قد يعني الانتماء أن تتقبل مسؤوليتك.

• وقد يعني أن تثق بخبرتك.

• وقد يعني أن تصبح مرتاحًا بما يكفي لتقول:

”لا أعرف الإجابة الآن، لكنني سأبحث عنها“.

أنت لا تحتاج إلى تقليد مَنْ حولك حتى تشعر بالانتماء، بل تحتاج إلى أن تكون نسخة صادقة وأصيلة من نفسك داخل دورك الجديد.

وأين يأتي دور الكوتشينج؟

هنا يمكن للكوتشينج أن يصنع فرقًا حقيقيًا، فالكوتش لا يقدّم للقائد الذي تمت ترقيته حديثًا جميع الإجابات. بل يوفر له مساحة آمنة يستطيع من خلالها استكشاف الأسئلة الكامنة خلف مشاعره.

مثلًا:

• ما الذي تخشاه تحديدًا؟

• ماذا يعني لك هذا المنصب الجديد؟

• ماذا تقول لنفسك عن قدرتك على النجاح؟

• توقعات مَنْ تحاول أن تحققها؟

• ما الدليل الذي لديك على أنّك لا تنتمي إلى هذا المكان؟

• وما الدليل الذي يؤكد أنّك تنتمي إليه بالفعل؟

• ماذا سيتغير لو منحت نفسك ثقة أكبر بنسبة 10% فقط؟

• أي نوع من القادة تريد أن تصبح، وليس فقط أي نوع من القادة تتوقع المنظمة منك أن تكون؟

هذه الأسئلة يمكن أن تحوّل شعورًا غامضًا بالخوف إلى شيء يمكن فهمه واستكشافه والتعامل معه بوعي.

من ”هل أنتمي؟“ إلى ”كيف سأُسهم؟“

ربما يكون التحوّل الأكثر قوة هو الانتقال من السؤال:

”هل أنتمي إلى هذا المكان؟“

إلى:

كيف يمكنني أن أُسهم في هذا المكان؟

السؤال الأول يبقي تركيزك على نفسك وعلى نقاط الضعف التي تتصورها.

أما السؤال الثاني فينقل تركيزك نحو الهدف، والمساهمة، والعلاقات، والأثر.

وهنا غالبًا تبدأ القيادة الحقيقية.

كلمة أخيرة:

إذا تمت ترقيتك مؤخرًا وشعرت بالقلق أو عدم الارتياح أو عدم اليقين، فلا تستنتج مباشرة أنّك غير مستعد. قد يكون شعورك بعدم الارتياح مجرد دليل على أنّك دخلت منطقة جديدة وغير مألوفة.

فالنمو نادرًا ما يكون شعورًا مألوفًا في بدايته.

لم تتم ترقيتك لأنّك أتقنت كل شيء بالفعل.

بل لأنّ شخصًا ما رأى فيك القدرة والإمكانات التي تؤهلك لتحمل مسؤوليات أكبر.

ومهمتك الآن ليست أن تصبح كاملًا، بل أن تتعلّم، وتتكيف، وتتأمل، وتبني العلاقات، وتنمو تدريجيًا لتصبح القائد الذي تستطيع أن تكونه.

وأحيانًا، قد يساعد وجود كوتش مناسب إلى جانبك على أن ترى في نفسك ما لم تستطع رؤيته بعد.

فالسؤال ليس: هل أنا مستعد لأكون هذا القائد؟

وربما يكون السؤال الأفضل:

مَنْ الذي أحتاج أن أصبحه حتى أقود بهذا المستوى؟

وما الخطوة الأولى التي أستطيع أن أبدأ بها؟