خطر تجدد صدمة العرض في سوق النفط العالمية
تعرض خط أنابيب الشرق - الغرب لاستهداف غاشم بطائرات مسيرة انطلقت من العراق، ما أسفر عن إصابات وأضرار مادية، وعلى إثر ذلك أكدت السعودية إيقاف الخط احترازياً لتقييم سلامته، فيما أفادت وكالة رويترز بأن الخط - منفذ الخام إلى ينبع لتجاوز اختناق مضيق هرمز - كان يمرر بين أربعة وخمسة ملايين برميل يومياً. ولم تُعلن المملكة مدة التوقف أو مقدار الصادرات التي ستتأثر بالإيقاف، ورغم أنه لا يصح مساواة الإيقاف الاحترازي بفقد إنتاج مماثل، لكن في المحصلة فإن استمرار التعطل يعني خروج هذه التدفقات من السوق وبالتالي إلحاق ضرر بالإمدادات النفطية العالمية.
ويأتي الهجوم الارهابي في سوق أضعفتها الصدمة الأصلية عندما بدأت الحرب الأمريكية - الإيرانية، حيث ذكرت وكالة الطاقة الدولية في 11 سبتمبر أن المخزونات النفطية المرصودة انخفضت بنحو 500 مليون برميل منذ فبراير، وأن صادرات النفط الخليجية في أغسطس دارت حول 13 مليون برميل يومياً، أي قرابة نصف مستوى ما قبل الحرب، فيما بقيت سوق المقطرات أشد توتراً من سوق الخام: انخفضت صادرات الديزل والغازوال الصافية من الخليج وروسيا. وعليه، يضر الهجوم سوق تستهلك من احتياطيات المخزون والتكرير تدريجياً.
وللتعرف على مدى تأثير ارتفاع أسعار الخام على الاقتصاد العالمي، يقدر صندوق النقد الدولي أن ارتفاعاً مستمراً قدره 10 بالمائة في النفط خلال معظم العام يضيف 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي ويخفض الناتج بين 0.1-0.2 بالمائة. وحتى إن اختلفت التقديرات وتفاوتت فيما بين المحللين والمؤسسات المختصة إلا أن هناك توافق على أن ثمة تأثير على التضخم من ناحية وبالتالي على نمو الناتج المحلي الإجمالي من ناحية أخرى.
اقتصادياً، تفتح التطورات احتمال حدوث صدمة عرض متجددة، هذا ما يمكن استقراؤه من الارتفاعات الكبيرة نسبياً في أسعار النفوط كافة خلال الأسبوع المنصرم، حيث أن الخطر لم يعد محصوراً في اغلاق مضيق هرمز، بل أخذ يطال المسار البديل نفسه، إذ أن خط شرق - غرب ينقل الخام إلى البحر الأحمر، ثم إلى ينبع ويتطلب عبوراً آمناً عبر باب المندب. إذن، المسألة ليست كمية الخام المنتجة فقط، بل الكمية القابلة للنقل إلى المصافي والمستهلكين، وكلما طال توقف الخط أو انخفضت الشحنات في ينبع، زاد تعطل الامدادات إلى الأسواق العالمية.
لكن ذلك الارباك في التصدير يلحق أضراراً في دوائر إنتاجية عدة تظهر في ارتفاع سريع بوتيرة التضخم في المنتجات لا في الخام وحده؛ فالديزل ووقود الطائرات والشحن والتأمين تنقل التكلفة مباشرة إلى سلاسل الإمداد والزراعة والخدمات، فيما يرفع اضطراب الملاحة زمن الرحلات وكلفة الوقود البحري والأسمدة والغذاء. وجغرافياً، فالأثر الأشد يظهر في آسيا وأفريقيا والدول ذات الحيز المالي المحدود، كونها تعتمد على الواردات وتتعاظم فيها نصيب الطاقة والغذاء من إجمالي إنفاق الأسر، لذلك قد يبدو أثر الخام محدوداً في البداية، بينما تتابع الضغوط عبر تكاليف النقل والإنتاج والتوقعات التضخمية.
وتنعكس هذه التطورات كذلك على السياسة النقدية، فصدمة الطاقة تضع البنوك المركزية الكبرى بين تضخم أعلى ونمو أضعف، وهي مفاضلة تضيق معها مساحة خفض الفائدة. لكن يلاحظ أن البنك المركزي الأوروبي زاد سعر الفائدة ربع من الواحد بالمائة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.
الخلاصة أن استماتة الحوثيين وسواهم في اعتداءاتهم التخريبية على منشآت النفط السعودي لن تعني مجرد استهدافاً للمنشآت الاقتصادية لا مبرر له سوى إلحاق الضرر وممارسة الإرهاب فقط، بل سيؤدي - إن لم تحسم تلك الاعتداءات غير المبررة أياً كان مصدرها بحزم وحسم - إلى الحاق أضرار أكبر بالاقتصاد العالمي وتجدد صدمة العرض، وسيكون أكبر المتضررين هي الدول الأقل قدرة على التحمل بسبب ضغوط ميزان مدفوعاتها، أما السعودية فهي قادرة على المجابهة ورد كيد الكائدين كما هو ديدنها دائماً.














