آخر تحديث: 14 / 9 / 2026م - 12:49 ص

قصة قصيرة

المهندس أمير الصالح *


كانت رسائل نصية قصيرة «SMS» عدة تصل بشكل شبه يومي من بعض الشباب ممن يحبونهم بكل صدق ووفاء وإخلاص، إلا أن أولئك الشباب كانوا يتجاهلونها أو لا يعيرونها اهتمامًا، ويزهدون في قراءتها بسبب ضوضاء الحياة التي يعيشونها وبريق مفاتنها. فجأة انقطعت تلكم الرسائل الأبوية الممزوجة بالحب والحكمة، لانقطاع أنفاس مرسليها أو عزوفهم عن الإرسال لاختفاء الصدى. وهنا استيقظت المشاعر الجارفة بالحنين لهدير تلكم الرسائل القصيرة والصادقة في نفوس البعض، واستأنف البعض حياتهم كأنما شيء لم يحدث. ولكن الوقت يأفل والزمان يمضي، وقد يجد البعض أنه تأخر أو فات الأوان لاستدراك صاحب الرسالة.

قصة 1

في صباح كل يوم تقريبًا، اعتاد الأب العطوف والأم الحنون، وبالتناوب، أن يرسلا رسالة قصيرة كل يوم لابنهما الموجود في مدينة أو دولة أخرى، تحت عناوين مختلفة وبمحتويات متنوعة وشيقة.

• «صباح الورد؛ البس جيدًا، فإن اليوم، وفقًا للأحوال الجوية، سيكون يوم صقيع وبرد شديد».

• «صباح الخير؛ لا تنسَ أخذ المظلة، فالمتوقع حدوث مطر هذا الصباح في مدينتك».

• «كن حذرًا، سمعنا عن حدوث اعتداءات من بعض المراهقين على المارة وسيارات الناس في مدينتك، فانتبه لنفسك جيدًا».

• «أفطر جيدًا قبل الذهاب للجامعة».

• «جمعة مباركة، ولا تنسَ الصلاة جماعة. اليوم الجمعة».

• «إخوانك وأعمامك وأخوالك مشتاقون إلى سماع صوتك، أرسل رسائل صوتية مسجلة لهم».

طلب حجب

في إحدى القصص قال أحدهم: انتفض الابن على رسائل والديه وقال: أنا لم أعد ذاك الطفل الصغير؛ رجاءً لا ترسلا لي نصائح ولا صباحيات. اعتذر الوالدان وأحجما عن الإرسال إليه. ففكر الأب مليًّا في ذات نفسه قائلًا: اقتنيت جهاز الجوال للتواصل مع أبنائي وأحبائي الذين سافروا؛ والآن لم يعد للجوال أي منفعة بالنسبة لي، وجدير بي إيقاف الاشتراك بشركة الاتصالات وإهداء الجهاز لآخرين!

قصة 2

يصلي كثير من الناس صلاة الاستسقاء طلبًا من الله هطول المطر؛ ويصلي كثير من الناس لله طلبًا للسلامة بعد هطول المطر! من الحكمة أن يتزن الآباء والأمهات في توجيه قرارات الأبناء وكمية إرسال رسائلهم لأبنائهم؛ فكثرة النصائح والتوجيهات مميتة، والقلة جفاء وقطيعة.

الخلاصة

الإعراض والعزوف المتكرر عن رسائل الأهل الأوفياء، أو التبرم منها من قبل بعض الشباب، قد يعمق فوهة خندق الابتعاد والجفاء، فيصبح عمقه سحيقًا جدًّا؛ وقد تأتي حاجة المستقبِلين إلى أولئك الأوفياء، غير أنهم قد يصبحون غير متاحين لكبر سنهم واعتلال صحتهم، أو أضحوا قد غادروا الدنيا. كما نهمس في آذان الآباء ألا يكونوا طوق خنق حول رقاب أبنائهم، فكسب القلوب أهم من كسب المواقف.