آخر تحديث: 14 / 9 / 2026م - 12:49 ص

إديث

هناء العوامي *

ارتفع الستار تدريجيًا عن خشبة المسرح، ستار من المخمل الثقيل هو، لونه أحمر قان، من هذه الألوان التي يسمونها البرقندي أو القرمزي أو شيء من هذا القبيل.

فيه الكثير من الطيات التي ينعكس عليها الضوء بلون أفتح؛ كان يرتفع ببطء؛ فكرت أنه لا بد أن يكون ثقيلًا جدًّا بهذا الحجم، كما أنه سيجمع الكثير من الغبار؛ لا بد أن تنظيفه يشكل تحديًا حقيقيًا.. لكن هذه ليست مشكلتي.

كنت سأحضر برفقة زميلة من العمل، لكنها مرضت بشكل مفاجئ وها أنا ذي جئت وحدي. طلبوا مني رؤية التذكرة سبع مرات وكأن امرأة في منتصف العمر ترتدي ملابس غالية الثمن يمكن أن تتسلل إلى العرض!

سنرى إن كان يستحق وقتي.

حين دخلت كان المكان باردًا.. وسمِعتُ هاتفاً ينادي بأن العرض سيبدأ بعد عشر دقائق.

في الصف الذي أمامي على جهة اليمين، كانت طفلة تأكل بعض المثلجات وترتجف، كما قلت.. كان التكييف مبالغًا فيه؛ ويبدو أن أمها شعرت بي أحدق بهما فالتفتت، بدا أنها عرفت ما كنت أفكر فيه، فأبعدت المثلجات عن طفلتها وأخبرتها بأنها أكلت بما يكفي؛ أنا متأكدة أنني قرأت في مكان ما أن العرض للكبار فقط، لكن ذلك لا يعنيني.

شربت بعض الماء، وعبثت بثقب وجدته على جانب مقعدي، في حين بدأ الستار يكشف عن المشهد. بينما أطفئت أضواء الصالة لتركز على المسرح.

صُدمت بما كشفت عنه منصة العرض!

كان المشهد رثًّا..

بشكل تعارض مع فخامة الصالة التي نجلس فيها..

وصدرت أصوات همهمة من اثنتين من الممثلات كأن مضخم الصوت لم يعمل بعد.

كانت امرأة شابة تجلس وراء مكتب متواضع؛ ترتدي ملابس رخيصة لكنها أنيقة، بألوان محايدة. بينما جلست أمام مكتبها امرأة متقدمة في السن بملابس رثة غير متناسقة، وخارج المكتب بعد فاصل يفترض أنه جدار تجلس فتاة صغيرة ضئيلة الحجم إلى حد لا يصدق، ترتدي ملابس قديمة بالية وتنظر إلى الأرض.

ثم اتضحت الأصوات بحيث أصبحنا نسمعها.

قالت المرأة الشابة وهي تبحث بعينيها عن مهرب لكي لا تلتقي بعيني المرأة المسنة العابسة أمامها:

«أنا أؤمن بأن التعليم حق لجميع الأطفال. أكره أن أتخلى عن إديث، ولكن بعض الأهالي قد سحبوا أولادهم من مدرستنا بالفعل»!

كانت العجوز الآن مطرقة، متصلبة في جلستها، وبدا للمعلمة أنها لن تقوم من مجلسها حتى تقوم الساعة. بيد أنها كانت صامتة كالقبر.

نظرت المعلمة وهي تخفي يديها المرتجفتين تحت سطح المكتب باتجاه الطفلة وكأنها كانت تراها من خلف الجدار.

كانت الطفلة صامتة على نحو غريب، كأنها مخدرة. لكنها فجأة انتحبت بصوت عال، بدت المعلمة على وشك النهوض من وراء مكتبها لتهرع إليها. كيف عرفنا ذلك؟ بصراحة لا أعرف! لكن هذه ممثلة بارعة بالفعل. تكاد تسمع تسارع دقات قلبها حتى لو أنك تجلس في آخر القاعة.

وحتى هذا لم يحرك العجوز من مكانها. ظلت جامدة كصنم.

مرت لحظات لا يسمع فيها سوى بكاء الطفلة. بينما بدت المعلمة وكأنها تجاوزت صدمة البكاء الذي سمعته وأخذت تنظر إلى السيدة المسنة بثبات صارم.

أطلقت المرأة الأخرى زفرة مرتعشة وقالت بصوت منخفض: «أشكرك على مساعدة حفيدتي خلال المدة القصيرة التي أمضتها معكم. لن أنسى لك هذا الجميل أبداً يا مدام جوزيه. ميرسي بوكو».

ثم قامت، وبدا أنها فكرت في مصافحة المرأة الشابة ثم تراجعت.

أمسكت بيد الطفلة الباكية دون أن تحاول تهدئتها، جرتها بلا رفق حتى اختفتا في ركن المسرح.

وعندها أجهشت المرأة الشابة بالبكاء.

وبدا أن المرأة والمكتب يتراجعان ببطء شيئًا فشيئًا، هما والجدار وصفّ الكراسي العتيقة التي كانت الطفلة تجلس على أحدها. بينما دخل من جانبي المسرح أربع بنات صغيرات يرتدين فساتين باليه بيضاء ويغنين أغنية فرنسية حزينة!

استمر غناؤهن الخلاب طويلًا، لكنني تمنيت لو ظل إلى الأبد. لقد أخبرتكم أن هذه مسرحية غنائية. ألم أفعل؟

حين أغلق الستار لم أصدق أن ثلثي ساعة قد مرت، سرت همهمة بين الناس من حولي، ثم دوى صوت التصفيق كأنهم تذكروا فجأة.

وحين انقشع صوت المصفقين لاحظت أن الطفلة الجالسة على اليمين في الصف الذي يسبقني كانت تبكي. هي إياها صاحبة المثلجات. سحبتها أمها بعيدًا حتى أخرجتها من صالة المسرح، فبدا لي وكأن المشهد الأخير كان يكرر نفسه.


الفصل الثاني

فتح الستار هذه المرة عن مسرح منقسم إلى نصفين؛ من جهة اليمين ما بدا أنه محطة قطار، وسمعنا صوت بوق القطار البخاري وصرير عجلاته. وفي المشهد حشد من الممثلات والممثلين يتكلمون بأصوات متباينة ومختلطة، ويتحركون بلا نظام. ثم هدأت أصواتهم وانتقل كشاف المسرح إلى الجهة اليسرى.

والتي ظهر فيها استقبال مستشفى مكتظ بالجرحى والمرضى من مختلف الأعمار، بينما تجلس خلف مكتبه امرأة في منتصف العمر منكوشة الشعر الذي يظهر من تحت قبعة طبية غير مثبتة على الرأس بعناية؛ لعلها كانت كذلك قبل ساعات كثيرة مضت. بدت عيناها تحت الشعر المبعثر الهارب من القبعة جاحظتين محمرتين، بهما دموع حبيسة، الكثير منها.

وقفت أمامها امرأة قصيرة ضئيلة الحجم، تظهر عليها سيماء التعاسة ورقة الحال، وتحمل طفلة رضيعة بين ذراعيها. كانت تكرر كلامًا مختلطًا تتعهد فيه بدفع نصف مبلغ العلاج حالًا، ودفع الباقي بشكل آجل بمجرد توفره. نظرت لها الموظفة بوجه جامد قبل أن تلتفت فجأة إلى جهة اليسار وتصرخ بهستيريا: «أندريه، قلت لك أن تأخذ المريض إلى غرفة أربعة! إنها في الجهة الأخرى، ماذا تحسب نفسك فاعلًا بحق السماء؟»

هذه المرة خرجت ثلاث بنات صغيرات من كل جانب من المسرح، بنفس زي الباليه الأبيض، رقصن قليلا على أنغام موسيقى حزينة. الآن كانت كشافات المسرح مسلطة على البنات الست أمام مشهد المستشفى ومحطة القطار. واللاتي انتظمن في صف واحد ليبدأن الشدو بأغنية فرنسية حزينة أخرى.

خرجت الفتيات كما دخلن. في حين سلط الكشاف على جهة محطة القطار من المسرح. كانت الحركة لا تزال مستمرة بأداء صامت في ناحية المستوصف. تعبر بلا صوت عن الألم والتعب والمعاناة؛ وكفاح البشر للتغلب على هذا كله.

ظهرت المرأة نفسها، بالملابس نفسها في محطة القطار. كان وجهها أكثر وضوحاً هذه المرة، كانت صغيرة السن، ومع قامتها القصيرة قد تحسبها للوهلة الأولى طفلة.

كانت تجاهد لتغني بصوت مسموع مع الضجيج المحيط بها دون أن يبدو غناؤها صراخاً؛ بينما تضع قبعتها أمامها، تجمع فيها ما تيسر من إحسان المارّة.

بينما كنا - نحن الجمهور - مأخوذين بصوت المطربة رغم إزعاج أبواق عربات وصخب باعة وبكاء أطفال يظهر ويختفي، أظهر المشهد لامبالاةً مستفزةً من جمهور المطربة بأدائها الخلاب، كان بعضهم يتوقف عدة ثوانٍ، والبعض الآخر عدة دقائق، وقلائل يرمون لها قطعًا صغيرةً من النحاس الأحمر. صبي أصهب الشعر بصق في قبعتها فأطلقت شهقة، ثم واصلت الغناء كأن شيئًا لم يكن.

كان رواد ركنها يأتون ويذهبون. بيد أن شخصًا واحدًا وقف في الخلف، بجانب عمود إنارة. وانعكست إنارة العمود على شعره البني فالتمع بلون الشاي الذي تنعكس عليه الشمس. كان طويلاً، يرتدي ملابس بدت أناقتها مفرطة قياساً على معظم الأشخاص من حوله.

كان ينظر لها مدققاً، وأعتقد أن جميع الحاضرين - ولست أنا وحدي - أخذوا يتساءلون منذ متى كان واقفاً هناك بالضبط.

وحين انفض جمهور المطربة القليل وغير الثابت من حولها لاحظته.

وبدا أنها اعتقدت أن وجوده كان مصادفة، وأنها تستكثر على نفسها أن تجود عليها الحياة باهتمام مثل هذا الرجل الأنيق.

توقفت عن الغناء. جمعت حاجياتها القليلة استعدادًا للعودة إلى مسكنها، الذي كان عِلِّيَّة صغيرة باردة، ليس فيها من وسائل الإنارة سوى شمعة نصف ذائبة.

تقدم الرجل الأنيق نحوها، فرفعت عينيها إليه بوجل. قال لها: «ما أجمل غناءكِ يا سيدتي. هل لي أن أتشرف بمعرفة اسمك الكريم؟»

ثم قبل يدها. وأسدل الستار.


الفصل الثالث

رفع الستار عن مشهد كباريه راقٍ. تتناثر فيه تحف فنية خلابة، وثريات كريستالية، تنعكس على مرايا كبيرة. في وسطه بيانو عملاق، عازفه رجل أشقر متأنق. ونفس الرجل الطويل يقبل يد نفس المطربة في مشهد بدا إعادة حرفية للمشهد السابق مع تغيير درامي لمشهد الخلفية. قال لها فيما بدا وكأنه استكمال للحوار السابق: «نورتي الكاباريه يا عصفورتي الصغيرة. نورتي الشانزلزيه كله». بدت المرأة واثقة وسعيدة لأول مرة منذ ظهرت على المسرح. كانت ترتدي ثوبًا أسود قصيرًا بسيطًا. ابتسمت له ثم صعدت على المسرح. لأول مرة منذ أن بدأت المسرحية نسمع صوت غنائها الشجي دون أن ترافقه أصوات أخرى سوى صوت الموسيقى.

استمرت فترة الغناء طويلاً، لكنها كانت تستحق كل ثانية من وقتي. بل أكاد أعترف... تمنيت أن أسمعها للأبد. أشعر أنني أكرر كلامي. هل قلت هذا من قبل؟ لم أكن أعرف أن القادم أجمل.

انتقلت إضاءة المسرح إلى جانبه الآخر، والذي جلس فيه ضابط شرطة على مكتب، وصاح بصوت غليظ: «أدخلوا المتهمة».

دخلت إيديث بعينين دامعتين وجسد بدا ضئيلًا بشكل مؤلم مقارنة بالضباط حولها. قالت بحدة: «لم أقتله. لم أقتله!»

ثم أسدل الستار.


الفصل الرابع

ارتفع الستار هذه المرة عن مشهد غرفة معيشة فاخرة. وكانت السيدة المطربة - التي عرفنا أن اسمها إيديث - تجلس على كرسي وثير، بينما وصيفة شقراء شابة تصب لها الشاي.

تقدم نحوها صبي أسمر نحيل قائلًا: «وضعت البقالة في المطبخ يا مدام إديث، هل تأمرين بشيء آخر؟» أشارت له السيدة بالانصراف، قبل أن تلتفت إلى الخادمة التي وقفت مكانها، ولم تنصرف.

• «دانييل، انطقي! قولي ما عندك بدون لف ودوران».

قالت عابسة. لقد أثر عليها المرض، ودانييل تعرف ذلك، وتغفر عصبيتها.

• «شارل دومون ينتظر منذ أكثر من ساعة بالخارج يا سيدتي».

• «ذلك الفاشل؟ كم مرة قلت لك أنني لا أودّ رؤيته؟»

• «أنا آسفة يا سيدتي».

عبست المطربة السمراء وأشاحت بوجهها. بينما انتظرت الوصيفة بصبر.

أكملت السيدة شايها وكأن الخادمة غير موجودة.

ثم قالت: «أدخليه».

دخل رجل طويل أسمر. تلعثم وهو يحاول اختيار كلماته لتحية إيديث. بينما أشارت هي إلى البيانو العملاق في ركن بهوها الفسيح، والذي انعكست عليه ظلال من ضوء الشمس ترسم زخارف النافذة على مفاتيحه البيضاء؛ هذا كان سيجعل مهمته في العزف أصعب، لكنه لا يهتم بذلك.

اتجه فورًا نحو البيانو، وهو يلتفت نحوها كأنه ينتظر الأوامر.

• «ابدأ حالًا». قالت له بجفاء.

«أنا مريضة كما ترى، ربما أموت قبل أن أسمعك. ولدي أمور أهم منك».

أخذ شارل نفسًا مرتعشًا. جلس أمام البيانو. شعر فورًا بعدم الراحة، الكرسي مصمم لشخص أقصر منه بكثير. ستكون مهمته عسيرة بحق، لكن عليه إنجازها.

ثم بدأ يعزف بيدين مرتجفتين.

لقد ارتكب أخطاء! الكثير منها. أدرك ذلك فورًا! تسارعت دقات قلبه وتفصد جبينه عن عرق بارد رغم أن الشمس كانت تسخن ظهره من النافذة المفتوحة.

أشارت السمراء إلى وصيفتها الشقراء بأن تغلق النافذة فصدعت بالأمر.

كان الرجل قد نسي النافذة، والكرسي غير المريح، واستغرق في العزف ناسياً أين هو ومن هو.

لكنه تذكر المكان والزمان فجأة حين انتهى، فبدا له ذلك مثل ضوء قطار من بعيد في نفق... قادمًا ليدهسه.

• «أعِد» قالت السيدة.

واستغرق الرجل وهلة ليستوعب اللحظة.

ثم أعاد العزف. هذه المرة وهو يغني الكلمات.

كانت تقول:

«لا أندم على الماضي ولا الحب ولا الألم».

أسدل الستار. علا تصفيق الجمهور. لكن العزف لم يتوقف.

وظهرت الكلمات فوق الستار، مضيئة عبر جهاز إسقاط ضوئي «مسلاط» كما في السينما:

Non! Je ne regrette rien...

بينما صدح مكبر الصوت بتسجيل لصوت المطربة الفرنسية نفسه، وهي تغني ذات الأغنية. قبل أن تظهر تحت الكلمات كلمات أخرى تقول: «الجزائر 1960».

وكذلك شاشة، عن طريق المسلاط نفسه، تعرض مشهد ثكنة عسكرية، وجنود يشغلون جهاز راديو قديم. منهم من ينظف بندقية. ومنهم من يحضر القهوة. ومنهم من يغسل ملابسه، أو يكتب رسائل إلى أهله.

كان الراديو يقول:

«لا! لا شيء أبداً...

لا! أنا لا أندم على شيء... لا على الخير الذي قُدّم لي، ولا على الشر.

كل ذلك سيّان عندي!

لا! لا شيء أبداً...

لا! أنا لا أندم على شيء...

لقد دُفع الثمن، ومُسح، ونُسي، أنا لا أبالي بالماضي!»

هدأ تصفيق الجمهور لكي يسمع ويقرأ. ثم عاد التصفيق بحماس أعظم. وبدأ البعض - وأنا منهم - بالانصراف. رغم أن فتيات الباليه إياهن خرجن يوزعن الزهور على الجمع بعشوائية.

فجأة خطر لي أنني نسيت أين ركنت سيارتي.

تمت

مستوحاة بتصرف من قصة حياة المطربة الفرنسية إديث بياف.
كاتبة سعودية تميل في أعمالها إلى المزج بين البعد الإنساني والتساؤلات الفكرية. تنوّعت كتاباتها بين الخيال العلمي، والرواية التاريخية، والنصوص الاجتماعية، إضافة إلى قصص تناولت القضية الفلسطينية، ومجموعة شعرية.

تتسم أعمالها بمراقبة الإنسان في لحظاته الحرجة، وبالأسئلة المتعلقة بالهوية، والذاكرة، والمصير.

وبالاهتمام بالمساحات الرمادية بين الواقع والخيال.

رابط شراء رواية ”أصداء من زمن آخر“ من موقع أثر: https://darathar.net/NAeeVby