آخر تحديث: 14 / 9 / 2026م - 12:49 ص

لا تحمل هم الدنيا

مصطفى صالح الزير

هل المشكلة في الهم نفسه، أم في الطريقة التي نحمله بها؟

تأمل هذه العبارة التي نسمعها كثيرًا: «لا تشيل هم». كلمات قليلة، لكنها في لحظات معينة قد تكون أعمق من كثير من النصائح. فقد لا تستطيع أن تغيّر المشكلة التي أمامك، ولا أن تعرف ماذا سيحدث غدًا، ولا أن تتحكم في قرارات الآخرين، لكنك تستطيع أن تغيّر الطريقة التي تستقبل بها كل ذلك.

وهنا تبدأ الحكاية؛ فليس كل همٍّ يحتاج إلى خوف، وليس كل مشكلة تحتاج إلى أن تسكن في رأسك طوال اليوم. أحيانًا نواجه مشكلة صغيرة، لكننا نمنحها تفكيرًا متواصلًا، ونضيف إليها احتمالات لم تقع، ونعيش اليوم قلقًا من غدٍ لم يأتِ.

فنحن لا نعاني فقط مما حدث، بل نعاني أيضًا مما نتخيله قد يحدث. ومن هنا يصبح السؤال أكثر أهمية: هل نستطيع أن نتعامل مع الهم بطريقة مختلفة؟

«لا تشيل هم» ليست دعوة إلى اللامبالاة

قد يفهم البعض عبارة «لا تشيل هم» وكأنها دعوة إلى تجاهل المشكلات، لكن معناها الأجمل مختلف تمامًا. هي لا تقول لك: لا تفكر. بل تقول:

• فكّر، ولكن لا تستنزف نفسك.

• خطط، ولكن لا تعش في المستقبل.

• خذ بالأسباب، ولكن لا تتعلق بالنتائج.

• اعمل ما تستطيع، ثم اترك ما لا تستطيع لله عز وجل.

وهنا أتذكر نصيحة سماحة الوالد الشيخ محمد كاظم الجشي، حفظه الله ورعاه، وهي: «لا تحمل همّ الدنيا».

هذه الكلمات القصيرة تختصر منهجًا جميلًا في الحياة؛ فالشيخ لا يدعوك إلى ترك مسؤولياتك، ولا إلى التغافل عن مشكلاتك، وإنما يعلّمك ألا تجعل قلبك يحمل فوق طاقته، وألا تعيش اليوم بأثقال الغد، وألا تستنزف نفسك في أمور خرجت من قدرتك.

اعمل، واسعَ، وخطّط، واستشر، وخذ بالأسباب، لكن لا تجعل قلبك يعيش أسيرًا لما لا تستطيع التحكم فيه. أنت مسؤول عن السعي، ولست مسؤولًا عن امتلاك الغيب. وهنا يتحول «لا تشيل هم» من مجرد عبارة مواساة إلى أسلوب حياة.

بين التفكير الذي يحل المشكلة والتفكير الذي يستنزفك:

هناك فرق كبير بين إنسان يفكر في المشكلة ليجد حلًا، وإنسان يفكر فيها بالطريقة نفسها عشرات المرات دون أن يضيف خطوة واحدة. الأول يستخدم عقله، أما الثاني فقد يتحول عقله إلى غرفة مغلقة يعيد فيها المشهد نفسه.

لذلك، عندما يزداد التفكير، اسأل نفسك: هل هذا التفكير يقودني إلى خطوة؟ أم يدور بي في المكان نفسه؟

إن كان يقودك إلى خطوة، فامضِ. وإن لم يبقَ في يدك شيء، فقد يكون الوقت قد حان لتقول: يا رب، هذا ما استطعتُه، ووكلت أمري إليك يا كريم.

حين يتغيّر مذاق الهم:

قد يمر شخصان بالظرف نفسه: يتأخر عليهما أمر، أو يواجهان مشكلة في العمل، أو يحدث خلاف في البيت، أو يطرق المرض بابًا، أو يُغلق أمامهما طريق كانا يأملان أن يسلكاه. لكن بعد فترة، قد ترى أحدهما أكثر هدوءًا ووعيًا، بينما يخرج الآخر منهكًا.

ما الذي حدث؟ ليس بالضرورة أن يكون أحدهما أقوى من الآخر، وإنما قد يكون الفرق في طريقة تفسير الموقف وحمله داخل النفس. هناك من يجعل المشكلة تكبر كلما فكر فيها، وهناك من يسأل:

• ماذا أستطيع أن أفعل؟

• ما الذي يقع تحت مسؤوليتي؟

• وما الذي ينبغي أن أتركه لله سبحانه؟

وهنا يتحول الهم من شيء يستهلك الإنسان إلى تجربة يمكن أن تنضجه وتعلّمه وتكشف له قوته. فالحدث قد يكون واحدًا، لكن مذاقه في القلب ليس واحدًا.

سؤال واحد قد يغيّر يومك:

أحيانًا لا نحتاج إلى تغيير الواقع بقدر ما نحتاج إلى تغيير السؤال:

• بدل أن تسأل: «لماذا حدث هذا لي؟» جرّب أن تسأل: «ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟»

• وبدل أن تقول: «ماذا لو فشلت؟»، قل: «كيف أستعد بصورة أفضل؟»

• وبدل أن تسأل: «متى سينتهي هذا؟»، اسأل: «كيف أعيش هذه المرحلة بأفضل ما أستطيع؟»

هذا التحول البسيط ينقل الإنسان من موقع المتلقي للعاصفة إلى موقع من يبحث عن طريق للعبور. فليس مطلوبًا منك أن تحل حياتك كلها دفعة واحدة؛ فأحيانًا كل ما تحتاجه هو أن تعرف الخطوة التالية.

أنت تستطيع أكثر مما تظن:

يقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286].

في هذه الآية طمأنينة ومسؤولية في الوقت نفسه؛ أنت لست مطالبًا بما يتجاوز وسعك، لكنك أيضًا قد لا تعرف حدود وسعك كما تظن. «ثق تمامًا بأن ما أنت فيه الآن من ابتلاء وظروف مادية ومعنوية في نطاق قدرتك وتحملك».

كم مرة قلت: «لا أستطيع»، ثم استطعت؟ وكم مرة ظننت أن موقفًا ما سيكسرك، ثم اكتشفت بعد تجاوزه أنك خرجت منه أكثر قوة ونضجًا؟

الحياة أحيانًا لا تكشف لنا قدراتنا ونحن في منطقة الراحة، بل تكشفها عندما نحتاج إليها. لذلك لا تستعجل الحكم على نفسك؛ قد تكون أقوى مما تظن، وقد يفتح الله فيك من القدرة ما لم تكن تعرفه عن نفسك. أنت تستطيع أن تبدأ، وتستطيع أن تحاول، وتستطيع أن تتعلم، وتستطيع أن تستعين بالله وربما تستطيع أكثر مما تظن.

أجمل ما في الطريق أنك لست وحدك:

ومن الآيات التي تفتح في القلب نافذة واسعة من الطمأنينة قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: 48].

الآية في سياقها خطاب للنبي محمد، ﷺ، تحمل معنى التثبيت والرعاية الإلهية. ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ؛ أي: في حفظنا ورعايتنا، والله سبحانه يرى ما لا يراه الناس، ويعلم ما لا نعلم:

• يرى جهدك الذي لم يلاحظه أحد.

• يرى صبرك.

• يرى دعاءك.

• ويرى الطريق الذي تمشي فيه.

قد لا تملك الصورة كاملة، لكن الله عز وجل يملكها. وهذا لا يعني أن الطريق سيكون دائمًا سهلًا، وإنما يعني أنك لا تسير فيه وحدك.

حين يتحرر القلب من وهم السيطرة:

وهنا يلتقي هذا الانضباط النفسي مع معنى عظيم من معاني التوكل. فالتوكل ليس إهمالًا للعمل، ولا انسحابًا من المسؤولية، بل هو: إتقان السعي مع تحرير القلب من التعلق المرضي بالنتائج.

يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 51].

تأمل قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَنَا . وفيها معنى يبعث على حسن الظن بالله والرضا بتدبيره؛ لا بمعنى أن كل ما يقع سيكون محبوبًا لنا أو سهلًا علينا، وإنما بمعنى أن المؤمن لا يفقد ثقته بحكمة الله ورحمته، حتى حين يعجز عن فهم الحكمة في لحظتها.

1- أنت مكلّف بالسعي، لا بامتلاك الغيب.

2- ومسؤول عن اتخاذ الخطوة الصحيحة، لا عن التحكم في ردود أفعال الآخرين.

3- وعليك أن تفعل ما تستطيع، لا أن تستنزف نفسك في محاولة السيطرة على ما لا تستطيع.

وهنا يتحرر القلب من وهم السيطرة.

فليس عليك أن تعرف كيف ستنتهي القصة حتى تبدأها، وليس عليك أن تضمن النتيجة حتى تبذل السبب. أنت تسعى، والله يدبّر. أنت تطرق الباب، والله يعلم متى يفتح، ومتى يغلق بابًا بحكمته، ويفتح أبواب رحمته وفضله وعطفه ولطفه…

أنت ترى اللحظة، والله يرى الرحلة كاملة. وهذا هو التوكل الجميل: أن تعمل بما تعرف، وتطمئن إلى الله فيما لا تعرف.

«يُدَبِّرُ الْأَمْرَ»؛ فلماذا كل هذا الخوف؟

يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [يونس: 31].

وتتكرر عبارة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ في أربعة مواضع في القرآن الكريم. فإذا كان الله هو المدبّر، فلماذا يحمل الإنسان قلبه فوق طاقته؟

وقد ورد عن الإمام الكاظم، : «ينبغي لمن عقل عن الله ألّا يستبطئه في رزقه، ولا يتهمه في قضائه».

كم من شيء تأخر فظنناه ضياعًا، ثم اكتشفنا أن الصورة لم تكن قد اكتملت بعد. وكم من باب أُغلق فحسبناه نهاية، ثم أصبح بعد سنوات جزءًا من بداية أجمل. لا يعني ذلك أن كل ما نريده سيحدث بالطريقة التي نريدها، لكن المؤمن يستطيع أن يعيش بين السعي وحسن الظن: لا أعرف كل الحكمة، لكنني أثق بالله. وهذه مساحة عظيمة من راحة القلب.

طفل صغير؛ ودرس كبير في الطمأنينة:

قصة واقعية لطيفة: كانت معلمة تخوض يومًا حافلًا بالعمل، فسقط جهازها الإلكتروني «الجوال» من يدها وانكسر داخل الفصل. خيّم عليها الضيق؛ فهي تعرف ما سيترتب على ذلك من إرباك لعملها وتواصلها، وما سيضيفه ذلك من ضغط على يومها.

وبينما كان الذهول يملأ المكان، اقترب منها طفل صغير، ونظر إليها ببراءة وطمأنينة، وقال: «لا تشيلي هم!»

نظرت إليه بدهشة وسألته: «ولماذا لا أشيل هم يا بني؟»

فأجابها بيقين عفوي تلقاه من بيته: «لأن بابا دائمًا يقول: لا تشيل هم، كل شيء يتصلح!»

كانت جملة صغيرة، لكنها غسلت عن اللحظة شيئًا من مرارتها. لم يتغير الواقع؛ الجهاز ظل مكسورًا، لكن الذي تغيّر هو طعم الموقف في قلبها.

وهنا تكمن الفكرة؛ فالطمأنينة لا تعني أن الأشياء لن تنكسر، وإنما تعني ألا ينكسر الإنسان معها. قد لا تستطيع إصلاح كل شيء في اللحظة نفسها، لكنك تستطيع أن تمنع القلق من أن يضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. خذ بالأسباب، ثم لا تحمل نفسك ما ليس في وسعها.

وربما أجمل ما في هذه القصة أن الطفل لم يكن يملك حلًا للمشكلة، لكنه كان يملك فكرة صحيحة عن الحياة. وهذا ما نحتاج إلى أن نعلّمه لأنفسنا ولأبنائنا: افعل ما تستطيع، ثم لا تجعل قلبك يعيش في معركة مع أمور لم تعد في يدك.

اختر الشخص الذي تضع عنده همك:

هناك زاوية مهمة في التعامل مع الهم: ليس كل أذن مكانًا مناسبًا لشكواك.

هناك إنسان تخبره بهمك، فتشعر بعد الحديث أنك أخف. وهناك من تخبره، فتخرج من عنده محملًا بعشرة مخاوف جديدة. هناك من يسمعك ليعينك على رؤية الحل، وهناك من يسمعك فيزيد حجم المشكلة.

ولهذا ورد عن الإمام الصادق، ، في وصف أصناف الإخوان: «الإخوان ثلاثة: فواحد كالغذاء الذي يحتاج إليه كل وقت فهو العاقل، والثاني في معنى الداء وهو الأحمق، والثالث في معنى الدواء فهو اللبيب».

فاختر من إذا تحدثت معه زادك عقلًا، أو أعانك على رؤية الحل، أو أعاد إلى قلبك اتزانه. اختر من يقول لك: «اهدأ؛ لنرَ ماذا نستطيع أن نفعل»، ومن يذكرك بالله عندما تنسى أن الأمر كله بيده. فليس المهم فقط أن تجد من يسمع همك، بل أن تجد من يساعدك على حمله بطريقة صحيحة.

عندما يصبح القلق إقامة دائمة:

الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا مشاعر، ولا بلا خوف أو قلق. فالقلق الطبيعي قد ينبهنا إلى أمر يحتاج إلى استعداد، لكن المشكلة حين يتحول التنبيه إلى إقامة دائمة. حين نكرر السيناريو نفسه، ونعيش خسارة قبل أن تحدث، ونحاسب أنفسنا على مستقبل لم يصل، ونحاول السيطرة على أشياء لا تقع أصلًا تحت سيطرتنا.

هنا اسأل نفسك: هل أنا أتعامل مع المشكلة، أم أعيش داخلها؟

الوعي لا يعني ألا تشعر، بل يعني أن تعرف ماذا تفعل بمشاعرك؛ أن تسمح لها بأن تنبهك، دون أن تسمح لها بأن تقود حياتك. ولا تخبر نفسك أن كل شيء سيئ؛ اترك دائمًا مساحة للاحتمال الإيجابي.

فليس كل تأخير رفضًا، وليس كل تغيير خسارة، وليس كل باب مغلق نهاية، وليس كل موقف صعب علامة على أن الطريق خاطئ. أحيانًا نحتاج فقط إلى أن نعطي الأيام فرصة لتكشف لنا ما لم نكن نراه في اللحظة الأولى. وحسن الظن بالله ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل موقف إيماني يقول: سأبذل جهدي، وسأثق بالله عز وجل لأنه يعلم ما لا أعلم.

وفي النهاية، أيها القارئ المبارك، لا تشيل همًّا لم يأتِ،

ولا تحمل أمرًا سلّمته لله.

خذ بالأسباب، وافعل ما تستطيع،

ثم اطمئن؛ فما خفي عنك ليس خافيًا على الله.

قد لا تعرف كيف ستأتي الإجابة، ولا متى يُفتح الباب، لكنك تعرف مَن بيده مفاتيح الأبواب كلها.

فاهدأ؛ فإن الله يدبّر الأمر، وهو مع الصابرين، وما دام أمرك بيده، فاطمئن.

يقول تبارك وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62].

والحمد لله رب العالمين.