آخر تحديث: 1 / 8 / 2026م - 9:07 م

حين انطفأ العالم

رائدة السبع * صحيفة اليوم

في مساءٍ مثقلٍ بأخبار متنوعة، وبينما كنت أتصفح ما يفيض به العالم من صخب، كان هاتفي يضيء بالأحمر، معلنًا أن ما تبقى من طاقته لا يتجاوز عشرة بالمئة. تجاهلت النداء، ومضيت.

وبعد دقائق قليلة، بدا وكأن اتفاقًا خفيًا قد انعقد بين الجهاز والكون... أن تبدأ العزلة الآن، فانطفأ.. لم يكن هناك ما يعيدني إلى العالم، فتركت كل شيء يأخذ طريقه إلى السكون. أغمضت عيني، واستسلمت لصمتٍ لم أختره، لكنه اختارني.

وللمرة الأولى، لم أركض نحو القلق، ولم أبحث عما يعيدني إلى العالم. تركت كل شيء ينطفئ، وكأن في داخلي ما كان ينتظر هذا الظلام الصغير ليضيء بطريقته.

في تلك العزلة التي بدت عارضة، لكنها كانت عميقة، اكتشفت أن الصمت لا يخيف، بل يكشفنا لأنفسنا، بعيدًا عن كل ما يجملنا أو يخفينا.

كُتب هذا المقال من «هنا» كما أعيشه، ومن «هناك» كما يراه العالم.

من مكان لا يُقاس بالمسافة، بل بما يُسقطه عنك من أثقال. من عزلتي الريفية، بين جبال تقف كحراسٍ للسكينة، وبجوار بحيرة تلمع كفكرة في لحظة صفاء، بدأت أسمع ما غاب عني طويلًا: صوتي.

لم تكن الطبيعة مشهدًا يُرى، بل حضورًا يُعاش. كانت الريح تمر بي كأنها تعيد ترتيب أفكاري، وكان الماء ينساب مذكرًا بأن كل شيء يمضي. وبين الأشجار، توقفت أمام شجرة الثوجا «Thuja» أغصانها الممتدة في هدوء، وأوراقها التي لا تصرخ بل تهمس، جعلتني أدرك أن العمق لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الامتلاء الحقيقي قد يحدث في أكثر اللحظات خفاءً، حين لا يرانا أحد.

تذكرت أن الطبيعة لا تمنحنا دائمًا إجابات، لكنها تهيئ لنا المساحة التي نسمع فيها أسئلتنا بوضوح. وما اختبرته هناك كان عودةً غير معلنة إليّ.

أدركت أنني لم أكن أبحث عن مكان جديد، بل عن حالة أكون فيها خفيفة من كل ما ليس لي؛ لا أُقاس بما أملك، ولا بما أنجز، بل بما أشعر به في لحظتي الصافية.

هناك، بعيدًا عن كل شيء، سقطت طبقات لم أكن أعلم أنني أحملها. لم أعد بحاجة إلى تفسير نفسي، ولا إلى إقناع أحد بي. يكفيني أنني، أخيرًا، لا أهرب مني.

وكما يقول أندريه جيد: «أحيانًا تأتي السعادة ولا نتعرف عليها، ذلك لأنها تأتي بوجه غير الوجه الذي ننتظره.»

ربما نحن لا نبتعد لنغيب... بل لننكشف.