الحلقة الخامسة
زيارة تسع ساعات... من طبيب النفوس إلى سيد الشهداء «5»
واصلت سيارة الأجرة طريقها نحو كربلاء، فيما كانت أضواء المواكب والرايات السوداء تلوح من بعيد، تتمايل تحت ضربات الريح الباردة. وفي داخل السيارة، ظل حسين يراقب الطريق بصمت، مثقلًا بالسؤال:
كيف سيصل بأخته إلى باب الحسين، وسط الزحام والبرد وطول الطريق؟
ابتعدت السيارة عن المسار المعتاد، ودخلت طريقًا ضيقًا تحفّه المزارع من الجانبين، حتى غابت أضواء المدن شيئًا فشيئًا، ولم يبقَ سوى نور المصابيح يشقّ ظلمة الليل.
نظر حسين من نافذة السيارة، فرأى الأشجار تهتز تحت وطأة الريح، وشعر بالقلق يتسلل إلى قلبه. التفت إلى السائق وسأله:
— هل هذا الطريق يوصلنا فعلًا إلى كربلاء؟
ابتسم السائق، وقال مطمئنًا:
— لا تقلق يا أخي... ستصلون إلى كربلاء. هذا طريقٌ آخر، لكنه يوصلكم إلى أقرب نقطة يمكن للسيارات الوصول إليها.
هدأ حسين قليلًا، لكنه ظل يراقب الطريق، فيما كانت السيارة تشقّ الظلام بهدوء، وكأنها تتبع دربًا لا يعرفه إلا السائق وصاحب الدعوة.
في المقعد الخلفي، فتحت زينب عينيها بعد غفوةٍ قصيرة. ضمّت معطفها الصوفي حول جسدها، ومسحت بيدها شيئًا من البخار الذي غطّى زجاج النافذة، ثم سألت بصوتٍ متعب:
— كم بقي علينا حتى نصل إلى الحسين
؟
أجابها السائق:
— لم يبقَ إلا القليل.
تعلقت عيناها بالطريق.
كانت المزارع تمر أمامها غارقةً في الظلام، وأضواء المواكب تلوح من بعيد كنجومٍ صغيرة في ليلةٍ شديدة البرودة. لكن مشهدًا آخر استيقظ في قلبها؛ مشهد السيدة زينب
وهي تقطع الطرق أسيرةً، مثقلةً بالفقد، ومحاطةً باليتامى والثكالى، وقد تركت خلفها أجساد أحبّتها على رمضاء كربلاء.
راحت تحدّق في العتمة، وكأنها ترى من خلالها تلك القافلة الحزينة.
لم تعد تشعر ببرودة الزجاج الذي يلامس وجهها، ولا بالريح التي تعصف في الخارج؛ فقد حملها خيالها إلى طريقٍ أشد قسوة، وإلى قلبٍ احتمل من المصائب ما لا تحتمله الجبال.
تخيّلت عقيلة بني هاشم وهي تعود إلى كربلاء بعد رحلة الكوفة والشام، وتقترب من قبر أخيها الحسين
، وفي صدرها حكاياتٌ ثقيلة لا تعرف من أين تبدأها.
ماذا قالت له حين وصلت؟
هل حدثته عن الطريق الطويل؟
هل أخبرته عن مجلس ابن زياد؟
عن الشام؟
عن الأطفال الذين أرهقهم السير؟
عن السيدة رقية التي ذبلت في الخرابة شوقًا إلى أبيها؟
وهل وقفت عند قبر العباس
، وقالت له:
— يا أبا الفضل... لقد عدت، لكن القافلة التي تركتها بعهدتك رجعت مثقلةً بالجراح؟
تدفقت الدموع على خدي زينب، وتمتمت بصوتٍ مخنوق:
— آهٍ يا زينب... أيُّ قلبٍ حمل كل هذا الألم؟
ظلّت تنظر إلى الطريق، لكن عينيها لم تعودا تريان المزارع ولا الظلام؛ كانتا تريان مسيرة الأسر، وخطوات الأطفال المرتجفة، ووجه الحسين وهو يبتعد في الذاكرة، ولا يغيب عن القلب.
وبعد وقتٍ قصير، خفّف السائق من سرعة السيارة، ثم توقّف وقال:
— لقد وصلنا. لا أستطيع أن أتقدم أكثر من هذا. أمامكما نقطة التفتيش، وبعدها تدخلان كربلاء.
نظر حسين إلى الخارج. كانت الريح تعصف بقوة، والبرد يلفّ المكان، فيما امتدت أمامهما جموع الزائرين تسير نحو المدينة.
أخرج مبلغ الأجرة، ومدّه إلى السائق، لكن الرجل نظر إليه بعينين اغرورقتا بالدموع، ودفع يده برفق قائلًا:
— أنتما ضيفا الحسين، وأنا آخذ منكما أجرة؟ لا يجوز.
قال حسين بإلحاح:
— يا أخي، لقد أوصلتنا مسافةً طويلة، وهذا حقك.
هزّ السائق رأسه، وقال:
— حقي أن تذكراني عند الحسين. لا تنسياني من الدعاء والزيارة. حفظكما الله، وتقبّل منكما.
نظر حسين إليه ممتنًا، ولم يجد كلماتٍ تكفي، فاكتفى بأن قال:
— جزاك الله عنّا خيرًا.
ترجّلا من السيارة، فضربهما الهواء البارد دفعةً واحدة. شدّ حسين سترته حول جسده، وأمسك بيد أخته، بينما ضمّت زينب معطفها إليها، وأخذت أنفاسها تظهر في الهواء كخيوطٍ بيضاء.
سارا نحو نقطة التفتيش.
كانت خطوات زينب متعبة، والبرد يضاعف قسوة الطريق، لكنها كانت تمضي وكأن قوةً خفية تساندها. وكلما اقتربت من أرض كربلاء، ازداد خفقان قلبها، وتسارعت أنفاسها، حتى غلب دفء الشوق برد الليل.
وما إن تجاوزت نقطة التفتيش، ووطئت قدماها أرض كربلاء، حتى انفجرت دموعها من غير إرادة.
توقفت لحظةً، كأن قدميها عجزتا عن حملها أمام هيبة الوصول، ثم صرخت من أعماق قلبها:
— لبّيك يا حسين!
خرج النداء من صدرها مثقلًا بالشوق والمرض والرجاء؛ كأن كل ما عجزت عن قوله منذ جلست أمام صورة كربلاء في غرفتها قد اختصرته في تلك الكلمات.
أما حسين، فلم يتمالك نفسه.
خرّ ساجدًا على الأرض الباردة، وأخذ يقبّل التراب الذي احتضن الجسد الطاهر الشريف، وبكى بكاءً طويلًا.
لم يشعر ببرودة الأرض، ولم يبالِ بالريح التي كانت تعبث بثيابه؛ فقد كان قلبه يشتعل امتنانًا.
لم يكن يبكي لأن الطريق كان شاقًّا فقط، بل لأن الحسين
قد تفضّل عليهما بهذه الدعوة، وفتح لهما بابًا لم يخطر لهما قبل أيامٍ قليلة.
رفع رأسه، وقال بين دموعه:
— الحمد لله الذي أوصلنا... الحمد لله الذي لم يردّنا.
ثم نهض، ونفض عن ثيابه غبار الطريق، وأمسك بيد أخته، ومضيا وسط الجموع.
لم يسألا أحدًا عن الطريق.
كان الجميع يسيرون في اتجاهٍ واحد، وكأن قوة جذبٍ خفية تشدّ القلوب قبل الأقدام. راياتٌ سوداء تصارع الريح، وأصوات نداءٍ تتعالى، ودموعٌ صامتة، وأقدامٌ متعبة لا تعرف التراجع.
كان بعض الزائرين يلفّون العباءات والبطانيات حول أجسادهم، وبعضهم يحمل الأطفال اتقاءً للبرد، لكن حرارة الولاء كانت تنبعث من الوجوه، فتجعل الليل القارس أقل قسوة.
وسط ذلك الزحام، اقترب منهما طفلٌ صغير يحمل كأس ماء، وكانت يداه الصغيرتان محمرتين من شدة البرد، لكنه ظل ينادي بصوتٍ بريء:
— اشرب ماء يا زائر!
توقفت زينب.
مدّت يدها، وأخذت الكأس، لكن ما إن وضعته على شفتيها حتى ارتعش جسدها، وتساقطت دموعها من جديد.
قالت بصوتٍ مكسور:
— آهٍ يا زينب... متى شربتِ الماء بعد استشهاد الحسين؟
ثم بكت بحرقة، وظلت تحدّق في الكأس، كأنها ترى فيه عطش الحسين، وظمأ الأطفال، وصبر العقيلة وهي تحاول أن تمنح الصغار شيئًا من القوة، وقد جفّ الماء من حولهم.
وقف الطفل أمامها حائرًا، ينظر إلى دموعها، ولا يفهم كيف استطاع كأس ماءٍ أن يوقظ كل هذا الحزن.
اقترب حسين منها، وقال برفق:
— اشربي يا زينب.
ثم رفع بصره نحو كربلاء، وقال:
— السلام على العطشان الغريب.
ارتجفت يد زينب، وشربت رشفةً صغيرة، ثم أعادت الكأس إلى الطفل، ومسحت على رأسه وهي تقول:
— جزاك الله عن الحسين خيرًا.
ابتسم الطفل، ثم مضى يبحث بين الجموع عن زائرٍ آخر يروي عطشه.
واصلت زينب السير إلى جوار أخيها. كانت قدماها تثقلان أحيانًا، والبرد يتسلل إلى أطرافها، لكن قلبها كان يزداد دفئًا مع كل خطوة.
وبين خطوةٍ وأخرى، كانت تشعر أن المسافة إلى الحرم تقصر، وأنها تقترب من الموعد الذي انتظرته طويلًا.
أما كربلاء، فكانت تفتح لهما الطريق بصمت، والرايات السوداء تلوّح أمامهما، كأنها تقول:
— لقد وصلتما... فامضيا إلى صاحب الدعوة.
للقصة بقية...













