آخر تحديث: 17 / 6 / 2026م - 11:38 ص

يا فلوريا.. هل بقي شيء من الليل ننامه؟

أو «لعلَّه خيرُ ياربِّي...»

جعفر العيد

كان سرور فلوريا لا يوصف عندما ناداها حمد: ”يا فلوريا… هل بقي شيء من الليل ننامه؟“.

لقد مرّ أكثر من شهرين على قصة نور ابن الحاج حمد ”الذي هو اسم محمد يختصره النوبيون بكلمة حمد“، ومع كثير من الحلول والمحاولات، لم تنجح، ولم تُحلّ القضية.

من المزح إلى المشاجرة، ثم إلى إصابة أحد أصدقاء نور، ودخوله إلى المستشفى.

في الزمن القديم كانت قبائل بلاد النوبة تجتمع، وتتعاون، تفكّر، وتسهّل الأمور بين المتخاصمين. لكن في هذه الأيام تعقّدت القضايا، ولا تُحلّ باجتماع كبار القبائل. دخول نور ابن حمد إلى السجن نزل على قلب الوالد كالصاعقة، مع أن الشيخ حمد هو أحد وجوه قبيلة ”الهدارة“ في بلاد النوبة، فأصبح لا يُرى إلّا صامتًا، خجلًا من كبار القوم.

يقول الحاج حمد: ”يا أسفي عليك يا ولدي.. لماذا صارت الأمور على هذه الطريقة، قلت لك لا تتشاجر مع الناس، واليوم واحد من الناس بين الحياة والموت في المستشفى“.

الناس تحب الشيخ حمد وتتعاون معه من أجل أن يحلّوا الموضوع، لكن الموضوع شائك لا يُحلّ بسهولة.

الحاج حمد ”أبو نور“ تأثر تأثرًا كبيرًا بالموضوع، ضعف بدنه من قلة الأكل، واحمرّت عيناه من كثرة السهر والتفكير، والشرود، أصدقاؤه الخلّص خافوا عليه من الجنون.

كبار قبائل ”الكواليب، مورو، هيبان، أوتورو، ليرا، أم الحيطان، ونارو، وفنقر“ اجتمعوا ليحلّوا قضية نور وما كانت تُحلّ، لأن الولد المضروب يرقد في المستشفى على حافة الوفاة.

تمر الأيام على الحاج حمد ”أبو نور“ دون شعور أو إحساس بها، وكثيرًا ما رأى نفسه يغرق في بحر عميق، كلّما غفا غفوة من الليل أو النهار، ظلمات داخل البحار كما يحكي عن رؤياه، ويجلس ناشف الحلق مبلل الجسم من العرق.

في واحدة من الأحلام رأى شخصًا نورانيًّا يمدّ إليه يدًا لسحبه إلى خارج الأعماق.

هذه المرة الوحيدة التي صحا فيها وهو يتنفس بارتياح، وكأن الهموم انزاحت عن كاهله.

سنحضر لك قاصّة رومية تقص عليك بعض القصص، لعلّك تنام ويرتاح بالك. سنحضرها لك الليلة القادمة. ”قال له بعض أصدقائه“

خاطبهم الحاج حمد ”أبو نور“:

كما تحبون يا أصدقائي، فأنا في حال الويل، حال يُرثى لها، ساعدوني، جزاكم الله خيرًا.

فلوريا حكيمة من بلاد الرومان تحكي قصصًا وروايات فيها بعض الحكمة، سنحضرها لك الليلة القادمة. ”قال له أحد أصحابه“

أمّا الآخر فقد قال له:

يا أبا نور لا نبتغي تخفيف الأمور من أجل تسليتك، كلنا نعرف أن غياب نور عطّل عندك الكثير من الأعمال، وسبّب لك بعض الأوجاع وأهمّها الفراغ العاطفي الذي تعيشه.. أوّل يا أبا نور، يوم كان الزمان تحت حكم القبائل، بساعة واحدة تنحل جميع الأمور والقضايا، يحكم قاضٍ قَبَليّ إمّا بدفع المال، أو السجن أو الصلح، اليوم نحن يا أبا نور في القرن الحادي والعشرين، حكومات تحكمنا، فيها حق خاص وحق عام، والحكومة تداعي فيه، وكل الأمور تتيسر بمشيئة الله تعالى.. يجب أن تصبر وتوكل أمورك إلى الله، وربما تحتاج إلى محامٍ وما يهمك من المصاريف.

أبو نور قال مخاطبًا صديقه:

سلّمت أمري إلى الله يا صديقي.. فلوريا هذه لم تتعب كبير قبيلة الهدارة من بلاد النوبة، وإنّما راحت تسليه بالقصص، قصة وراء قصة، لكن القصة الأخيرة كانت مؤثرة.

استراح الأصحاب عندما رأوا حمدًا يتنفس ويرتاح من هذه القصة.

فلوريا قالت:

يا عمي، كان هناك في غابر الزمان في بلاد الرومان رجل كبير في قومه مثلك يا عمي، اسمه باولوس، لديه ابن يحبه كثيرًا يا عمي، اسمه كاتيوس ويسميه باختصار كاتو يا عمي، لكن تشاء الأقدار أن يقع كاتو في مشكلة يدخل فيها السجن ويورّث لأبيه حزنًا كبيرًا.

هنا تنبه حمد وقال:

يا سلام عليك يا فلوريا، أكملي قصّتك فهي قد أعجبتني.

يا عمي حمد، لمّا كان كاتيوس راجح العقل وكبيرًا في بلاده، فكر وتأمل واستشار بعض الحكماء هناك، سمعت يا عمي.

أكملي يا فلوريا، إنّها قصة جميلة.

تواصل فلوريا حكايتها:

وبعدما مضت أيّام كثيرة عليه وهو لا يذوق طعم الراحة، ولا يهنأ بالطعام، وكلّما وسّط أناسًا لإخراج كاتو من السجن لم يستطيعوا، وبعدما استشار بعض العلماء والحكماء والقساوسة أشاروا إليه ببعض الاقتراحات.

كانت ساعات الليل تمضي مع قصص فلوريا لكبير الهدارة من بلاد النوبة ”أبو نور“.

قالت فلوريا:

في يوم تعب باولوس تعبًا شديدًا، لأنه أمضى النهار بعد أن قضى وِترًا من العبادة في الكنيسة، وتصدّق بشيء من أمواله، ونظر إلى من بقي من قراباته وزارهم في ذلك اليوم.

وهي تحكي وحمد يقول:

قد فعلت والله يا فلوريا، وعيونه تقطر دمعًا غزيرًا.

قاطعته فلوريا قائلة:

سمعت يا عمي، باولوس هذا يا عمي بعد أن قام بكل هذه الأعمال، وبعد هذا التعب الكثير عاد إلى بيته، ونظر نظرة بعيدة إلى السماء وخاطب ربه قائلًا: لعله خير يا ربي، أنت تختار لنا الخير يا ربي، يا ربي لقد أعادني هذا الحدث إلى نفسي، ولعل ابني كاتو استفاد من أخطائه، فاغرورقت عيناه بالدموع.

فكاتيوس ابنه الحبيب على قلبه كثيرًا، لكنه في تلك الليلة غاص في نوم عميق.

تنفّس حمد كبير قبيلة الهدارة وقال:

يا فلوريا كم بقي من هذا الليل لأنامه؟

ردّت عليه:

خير يا عمي، لقد بقي قليل من الليل تستريح فيه.

تنفّس الأصحاب الصعداء وهم يرون صديقهم يحاول أن ينام، وكان يتمتم: ”لعلّه خير يا ربّي، لعلمك بعاقبة الأمور، لعلّه خير يا ربّي“.. وراح في نوم عميق.