كلمات جدي في محرم
كان جدي إذا أقبل محرم، أطرق قليلًا، ثم رفع بصره كأنما يفتّش في ذاكرته عن كربلاء، ويقول: يا بُنيّ، نحن لا ندخل عامًا هجريًا جديدًا كما ندخل شهرًا في التقويم، بل ندخل بابًا من أبواب المراجعة، وموسمًا من مواسم المحاسبة، نسأل الله فيه عامًا أصلح من عامٍ مضى، وخيرًا أوسع من خيرٍ انقضى، وبركةً تعمّ البيوت والقلوب، وسلامًا يظلّل البلاد والعباد، وفرجًا للفقراء والأيتام والمحتاجين.
ثم يقول: وإذا دخل محرم، فاعلم أنك تدخل عالم عاشوراء، لا عالم الحزن العابر، ولا الدمع الخالي، بل عالم البصيرة والغيرة، والحقّ والصدق، والفزعة الواعية لا الفزعة العمياء. فكل الناس يعرفون معنى النصرة، لكن نصرة الحسين شيء آخر؛ لأنها نصرة ابن بنت رسول الله، وسبط نبيّ الرحمة، ذلك الذي قال فيه جده المصطفى: حسين مني وأنا من حسين. فمن نصر الحسين بلا فهم، فقد صاح ولم يسمع، ومن أحبه بلا معرفة، فقد اقترب ولم يبلغ.
يا بُنيّ، الحسين لا يُنصر بالضجيج، بل بالوعي الناضج، ولا يُفهم بالمبالغات، بل بالقراءة الصادقة، ولا يُختصر في دمعة، وإن كانت الدمعة شريفة، ولا في شعار، وإن كان الشعار عزيزًا. الحسين مدرسة، ومن أراد المدرسة فليحمل دفتره قبل صوته، وليفتح قلبه قبل فمه، وليقرأ سيرته مع جده وأبيه وأمه وأخيه وأخته وأبنائه وأصحابه؛ فهناك تعرف معدن الرسالة، ومقام الإمامة، ومعنى التضحية، ورفعة الكرامة.
كان جدي يقول: لا تجعل محرم عادةً تمشي إليها قدماك ولا ينهض لها عقلك. احضر المجلس بقلبٍ حاضر، واسمع المحاضرة بعين البصيرة، واسأل نفسك: ماذا يريد الحسين مني؟ أيريد دمعةً ثم غفلة؟ أم يريد موقفًا ثم استقامة؟ أيريد شعارًا على اللسان؟ أم يريد صدقًا في الميزان، وأمانةً في اليد، ورحمةً في البيت، وعدلًا في الناس؟
يا بُنيّ، من لا يقرأ الحسين، لا يفهم كربلاء، ومن لا يفهم كربلاء، قد يبكيها ولا يهتدي بها. إن الحسين لا يحتاج إلى مبالغة ترفعه؛ فقد رفعه الله، ولا إلى اختصار يظلمه؛ فقد أنصفه التاريخ. تحدّث عنه بالواقع، فالواقع وحده يكفي ليبقى الحسين عاليًا، نقيًا، مضيئًا، كالشمس لا تزيدها الكلمات نورًا، ولكن العيون تحتاج أن تتطهّر كي تراها.













